الحديث العاشر

    avatar
    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 2195
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    الحديث العاشر Empty الحديث العاشر

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 13:19

    الحديث العاشر Game10

    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم
    الحديث العاشر 1410
    ● [ الحديث العاشر ] ●

    عَنْ أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّباً ، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين ، فقال : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا } (1) ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم } (2) ، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ : أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يمُدُّ يدَيهِ إلى السَّماءِ : يا رَب يا رب ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ(3) ، وَمَلْبَسُهُ حرامٌ ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ ؟ ) .
    رواهُ مُسلمٌ .

    الشرح
    هذا الحديث خرَّجه مسلم(4) من رواية فضيل بن مرزوق، عن عديِّ بن ثابت، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وخرّجه الترمذي(5) ، وقال : حسن غريب . وفضيل بن مرزوق(6) ثقة وسط خرَّج له مسلم دون البخاري .
    وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله تعالى طيب ) هذا قد جاء أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إن الله طيِّبٌ يحبُّ الطَّيِّبَ ، نظيفٌ يحبُّ النظافة ، جواد يحبُّ الجود ) . خرَّجه الترمذي(7)
    __________
    (1) المؤمنون : 51 .
    (2) البقرة: 172 .
    (3) عبارة : ( ومشربه حرام ) سقطت من ( ص ) .
    (4) في " صحيحه " 3/85 ( 1015 ) ( 65 ) .
    (5) في " الجامع الكبير " ( 2989 ) .
    وأخرجه : عبد الرزاق ( 8839 ) ، وعلي بن الجعد ( 2094 ) ، وأحمد 2/328 ، والدارمي ( 2720 ) ، والبخاري في " رفع اليدين " ( 91 ) ، وابن عدي في " الكامل " 1/264 ، والبيهقي 3/346 ، والبغوي ( 2028 ) من طرق عن أبي هريرة ، به .
    (6) من قوله : ( عن عدي بن ثابت ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (7) في " الجامع الكبير " ( 2799 ) .
    وأخرجه : الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 3/408 ، والبزار ( 1114 ) ، وأبو يعلى ( 791 ) ، وابن حبان في " المجروحين " 1/279 ، وابن عدي في " الكامل " 3/414 من طرق عن سعد بن أبي وقاص ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ، وفي إسناده مقال(1) ، والطيب هنا : معناه الطاهر(2) .
    والمعنى : أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها ، وهذا كما في قوله : { وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون } (3) ، والمراد : المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها(4) .
    وقوله : ( لا يقبل إلا طيباً ) قد ورد معناه في حديث الصدقة ، ولفظُه : ( لا يتصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً … )(5) ، والمراد أنَّه تعالى لا يقبل مِن الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً .
    وقد قيل : إنَّ المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله : ( لا يقبلُ الله إلا طيباً ) أعمُّ مِنْ ذلك ، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلِّها ، كالرياء والعُجب ، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً ، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ .
    __________
    (1) في سنده : ( خالد بن إلياس ) ، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " ( 172 ) : ( مدني متروك الحديث ) ، وقال ابن حبان في " المجروحين " 1/279 : ( يروي الموضوعات عن الثقات حتى يسبق إلى القلب أنَّه الواضع لها ) .
    (2) انظر : لسان العرب 8/235 .
    (3) النور : 26 .
    (4) في ( ص ) : ( ظاهرها وباطنها ) . والأوضار : جمع وضر وهو وسخ الدسم واللبن . انظر : لسان العرب 15/325 .
    (5) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 648 ) ، وأحمد 2/418 ، والبخاري 2/134 ( 1410 ) ، ومسلم 3/85 ( 1014 ) ( 63 ) و( 64 ) ، وابن ماجه ( 1842 ) ، والترمذي ( 661 ) ، والبغوي ( 1632 ) من طرق عن أبي هريرة ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد قيل : إنَّه يدخل في قوله تعالى : { قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } (1) هذا كلُّه(2) .
    وقد قسَّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث ، فقال : { ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة } (3) ، { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } (4) ، وقال تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } (5) ، ووصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث .
    وقد قيل : إنَّه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضاً ، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ } (6) وإنَّ الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة التي كانت في الجسد الطيِّب، وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون لهم: طبتم فادخلوها خالدين(7)، وقد ورد في الحديث أنَّ المؤمن إذا زار أخاً له في الله تقول له الملائكة : ( طِبْتَ ، وطابَ ممشاك ، وتبوَّأْتَ من الجنة منْزلاً )(8) .
    __________
    (1) المائدة : 100 .
    (2) عبارة : ( هذا كله ) سقطت من ( ص ) .
    (3) إبراهيم : 24 .
    (4) إبراهيم : 26 .
    (5) فاطر : 10 .
    (6) النحل : 32 .
    (7) عبارة : ( فادخلوها خالدين ) لم ترد في ( ج ) .
    (8) أخرجه : ابن المبارك في " مسنده " ( 3 ) ، وفي " الزهد " ، له ( 708 ) ، وأحمد 2/326 و344 و354 ، وعبد بن حميد ( 1451 ) ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 345 ) ، وابن ماجه ( 1443 ) ، والترمذي ( 2008 ) ، وابن حبان ( 2961 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 9026 ) وفي " الآداب " ، له ( 219 ) ، والبغوي ( 3472 ) و( 3473 ) من طريق أبي سنان عيسى بن سنان ، عن عثمان بن أبي سودة ، عن أبي هريرة ، به ، وإسناده ضعيف لضعف أبي سنان عيسى بن سنان .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان ، وظهر على لسانه من الذكر ، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان ، وداخلة في اسمه ، فهذه الطيباتِ(1) كلُّها يقبلها الله - عز وجل - .
    ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه ، وأنْ يكون من حلال ، فبذلك يزكو عملُه .
    وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال ، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل ، ويمنع قبولَه ، فإنَّه قال بعد تقريره : ( إنَّ الله لا يقبلُ إلاَّ طيباً ) إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } (2) ، وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } (3) .
    والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال ، وبالعمل الصالح ، فما دام الأكل حلالاً ، فالعملُ صالح مقبولٌ ، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ ، فكيف يكون العمل مقبولاً ؟
    وما ذكره بعد ذَلِكَ من الدعاء ، وأنَّه كيف يتقبل مع الحرام ، فهوَ مثالٌ لاستبعاد قَبُولِ الأعمال مع التغذية بالحرام . وقد خرَّج الطبراني بإسناد فيهِ نظر عن ابن عباس(4)
    __________
    (1) زاد بعدها في ( ص ) : ( التي هي الإيمان والعمل الصالح ) .
    (2) المؤمنون : 51 .
    (3) البقرة : 172 .
    (4) في " المعجم الأوسط " ( 6495 ) .
    وعزاه الهيثمي في " المجمع " 10/294 إلى " المعجم الصغير " والصواب " المعجم الأوسط " ، وقال : ( وفيه من لم أعرفهم ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ، قالَ : تُليَتْ هذه الآية عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً } (1) ، فقام سعدُ بنُ أبي وقاص ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أنْ يجعلني مستجابَ الدعوة ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( يا سعد(2) ، أطِبْ مطعَمَك تكن مستجاب الدَّعوة ، والذي نفس محمد بيده إنَّ العبد ليقذف اللُّقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوماً، وأيُّما عبدٍ نبت لحمُه من سُحْتٍ فالنارُ أولى به ).
    وفي " مسند الإمام أحمد " (3) بإسناد فيه نظر أيضاً عن ابن عمر قال : ( من اشترى ثوباً بعشرة دراهم في ثمنه درهمٌ حرام، لم يقبلِ الله له صلاة ما كان عليه ) ، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال : صُمَّتا إنْ لم أكن سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ويُروى من حديث عليٍّ - رضي الله عنه - مرفوعاً معناه أيضاً، خرَّجه البزار وغيره بإسنادٍ ضعيف جداً(4).
    __________
    (1) البقرة : 168 .
    (2) يا سعد ) لم ترد في ( ص ) .
    (3) في المسند 2/98 .
    وأخرجه : عبد بن حميد ( 849 ) ، وابن حبان في " المجروحين " 2/40 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 6114 ) ، والخطيب في " تاريخه " 14/21 وإسناده ضعيف جداً ، فهو مسلسل بالعلل ، وقال الحافظ العراقي : ( سنده ضعيف جداً ) فيض القدير 6/84 .
    (4) في " مسنده " ( 819 ) ، وإسناده ضعيف جداً ، فيه النضر بن منصور ، قال البخاري: ( منكر الحديث ) . وعقبة بن علقمة أبو الجنوب ، قال أبو حاتم : ( ضعيف الحديث ) . انظر : الجرح والتعديل 6/402 ( 1743 ) ، ومجمع الزوائد 10/292 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج الطبراني بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا خرج الرجلُ حاجاً بنفقةٍ طيبةٍ ، ووضع رجله في الغَرْزِ(1) ، فنادى : لبَّيْكَ اللهمَّ لبَّيكَ ، ناداه منادٍ من السَّماء : لبَّيْكَ وسَعْدَيك زادُك حلالٌ ، وراحلتك حلالٌ(2) ، وحجك مبرورٌ غير مأزورٍ ، وإذا خرج الرجلُ بالنفقة الخبيثة ، فوضع رجله في الغَرْزِ ، فنادى : لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك ، ناداه منادٍ من السَّماء : لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيك ، زادُك حرام ، ونفقتُك حرام ، وحجُّكَ غيرُ مبرورٍ ) (3). ويُروى من حديث عمر نحوه بإسناد ضعيف أيضاً(4) .
    وروى أبو يحيى القتات(5) ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : لا يقبل الله صلاة امريءٍ في جوفه حرام .
    __________
    (1) في ( ص ) : ( في المزدلفة ) .
    (2) عبارة : ( وراحلتك حلال ) سقطت من ( ص ) .
    (3) في " المعجم الأوسط " ( 5228 ) ، وإسناده ضعيف جداً ، سليمان بن داود اليمامي ، قال أبو حاتم : ( هو ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، ما أعلم له حديثاً صحيحاً ) . انظر : الجرح والتعديل 4/108 ( 487 ) .
    (4) أخرجه : ابن عدي في " الكامل " 3/585 ، وفي إسناده أبو الغصن الدجين بن ثابت ، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " ( 179 ) : ( ليس بثقة ) .
    (5) وهو ضعيف .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام ، ومن صلَّى في ثوب حرام ، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك ، وفيه عن الإمام أحمد روايتان ، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام ، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل ، ومدحُ فاعله ، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به ، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه ، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة ، فإنْ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة(1) ، كما ورد أنَّه لا تقبل صلاة الآبق ، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ ، ولا من أتى كاهناً ، ولا من شرب الخمر أربعين يوماً ، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني ، وهو المراد - والله أعلم - من قوله - عز وجل - : { إنَّما يَتقبَّلُ الله من المتَّقين } (2) . ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السَّلف على نفوسهم ، فخافوا أنْ لا يكونوا من المتَّقين الذين يُتقبل منهم .
    وسُئل أحمد عن معنى ( المتقين ) فيها ، فقال : يتقي الأشياء ، فلا يقع فيما لا يَحِلُّ له.
    __________
    (1) من قوله : ( فإن كان المراد هاهنا ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (2) المائدة : 27 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال أبو عبد الله الناجي(1) الزاهد رحمه الله : خمسُ خصال بها تمامُ العمل : الإيمان بمعرفة الله - عز وجل - (2)، ومعرفةُ الحقِّ ، وإخلاصُ العمل للهِ ، والعمل على السُّنَّةِ ، وأكلُ الحلالِ، فإن فُقدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله - عز وجل - ، ولم تَعرف الحقَّ ، لم تنتفع ، وإذا عرفتَ الحقَّ ، ولم تَعْرِفِ الله ، لم تنتفع ، وإنْ عرفتَ الله ، وعرفت الحقَّ ، ولم تُخْلِصِ العمل ، لم تنتفع ، وإنْ عرفت الله ، وعرفت الحقَّ (3)، وأخلصت العمل ، ولم يكن على السُّنة ، لم تنتفع ، وإنْ تمَّتِ الأربع ، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع(4) .
    وقال وُهيب بن الورد(5) : لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام(6) .
    وأما الصدقة بالمال الحرام ، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " (7) عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ ، ولا صدقةً من غلولٍ ) .
    __________
    (1) وهو : سعيد بن بريد الزاهد . انظر : الجرح والتعديل 4/8 ( 26 ) .
    (2) في ( ص ) : ( الإيمان بالله - عز وجل - ) .
    (3) من قوله : ( لم تنتفع ، وإذا عرفت ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/310 .
    (5) وهو ابن أبي الورد القرشي ، أبو عثمان ، ويقال : أبو أمية المكي ، مولى بني مخزوم ، أخو عبد الجبار بن الورد ، واسمه عبد الوهاب ، ووهيب لقب غلب عليه . انظر : تهذيب الكمال 7/505 ( 7366 ) .
    (6) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/154 .
    (7) الصحيح 1/140 ( 224 ) .
    وأخرجه : الطيالسي ( 1874 )، وأحمد 2/19 و20 و39 و51 و57 و73، وابن ماجه ( 272 )، والترمذي ( 1 )، وابن الجارود ( 65 )، وابن خزيمة ( 8 )، والطحاوي في "شرح المشكل" ( 3299 ) ، وابن حبان ( 3366 ) ، والبيهقي 4/191 من طرق عن ابن عمر، به.
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال(1) : ( ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ- إلا أخذها الرحمان بيمينه )(2)، وذكر الحديث .
    وفي " مسند الإمام أحمد " (3) عن ابن مسعود ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يكتسب عبدٌ مالاً من حرام ، فيُنفِقَ منه ، فَيُباركَ له فيه ، ولا يتصدَّقُ به ، فيتقبلَ منه، ولا يتركه خلفَ ظهره إلا كان زادَه إلى النار، إنَّ الله لا يمحو السيِّىء بالسيِّئ ، ولكن يمحو السَّيىءَ بالحسن ، إنَّ الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ ) .
    __________
    (1) من قوله : ( لا يقبل الله صلاة ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (2) أخرجه : الحميدي ( 1154 ) ، وأحمد 2/538 ، والدارمي ( 1682 ) ، والبخاري 9/154 ( 7430 ) ، ومسلم 3/85 ( 1014 ) ( 64 ) والنسائي 5/57 وفي " الكبرى " ، له ( 2304 ) و( 7734 ) و( 7735 ) و( 7759 ) وفي " التفسير " ، له ( 419 ) ، وابن خزيمة ( 2425 ) و( 2426 ) و( 2427 ) ، وابن حبان ( 3316 ) و( 3319 ) ، والبغوي ( 1631 ) من طرق عن أبي هريرة ، به .
    (3) في " مسنده " 1/387 .
    وأخرجه : البزار ( 2026 ) ، والشاشي ( 877 ) ، والحاكم 2/447 ، وأبو نعيم في "الحلية" 4/165 و166 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 607 ) و( 5524 )، والبغوي ( 2030 ) من طرق عن عبد الله بن مسعود ، به ، وإسناده ضعيف ورفعه منكر ، الصواب فيه الوقف وعلته الصباح بن محمد ضعيف وقد خولف.
    وأخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 1134 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 8990 ) وأبو نعيم في " الحلية " 4/165 عن عبد الله بن مسعود ، موقوفاً .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُروى من حديث دراج، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كسب مالاً حراماً ، فتصدق به ، لم يكن له فيه أجرٌ ، وكان إصرُه عليه ) . خرَّجه ابنُ حبان في " صحيحه " (1) ، ورواه بعضهم موقوفاً على أبي هريرة .
    ومن مراسيل القاسم بن مُخَيْمِرَة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من أصاب مالاً مِنْ مأثم ، فوَصَلَ به رحمه ، أو تصدّق به ، أو أنفقه في سبيل الله ، جمع الله ذلك جميعاً ، ثم قذف به في نار جهنم ) (2) .
    ورُوي عن أبي الدرداء ، ويزيد بن مَيْسَرَة أنَّهما جعلا مثلَ من أصاب مالاً من غير حلِّه ، فتصدَّق به مثلَ من أخذ مال يتيم ، وكسَا بهِ أرملةً(3) .
    وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل ، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام ، ثم تابَ ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه ، فقال : إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ ، وكذا قال ابن مسعود : إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث ، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث(4) ، وقال الحسنُ : أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه ، ارحم من قد ظَلَمْتَ .
    واعلم أنَّ الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين :
    __________
    (1) الصحيح ( 3216 ) و( 3367 ) .
    وأخرجه أيضاً : ابن الجارود ( 336 ) ، والحاكم 1/548 ، والبيهقي 4/84 من طرق عن أبي هريرة ، به .
    (2) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 625 ) ، وأبو داود في " المراسيل " ( 131 ) .
    (3) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 737 ) .
    (4) أخرجه : البزار ( 1977 ) ، والطبراني في " المعجم الأوسط " ( 7728 ) من طرق عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً ، وهو ضعيف .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    أحدهما : أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه ، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه ، بمعنى : أنَّه لا يُؤجَرُ عليه ، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه ، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ ؛ لعدم قصده ونيته ، كذا قاله جماعةٌ من العلماء ، منهم : ابنُ عقيلٍ من أصحابنا ، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي : أنَّه سأل سعيد بنَ المسيب قال : وجدت لقطةً ، أفأتصدق بها ؟ قالَ : لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها(1) .
    ولعلَّ مرادَه إذا تَصدَّقَ بها قبلَ تعريفها الواجب . ولو أخذ السلطانُ ، أو بعضُ نوابه من بيت المال ما لا يستحقه ، فتصدق منه أو أعتق ، أو بنى به مسجداً أو غيره مما ينتفع به الناسُ، فالمنقولُ عن ابنِ عمر أنَّه كالغاصبِ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قالَ لعبد الله بن عامر أميرِ البصرة ، وكان الناس قد اجتمعُوا عنده في حال موته وهم يُثنون عليهِ ببرِّه وإحسانه، وابن عمر ساكتٌ، فطلب منه أنْ يتكلَّم، فروى له حديث : ( لا يقبلُ الله صدقة من غُلولٍ )(2)، ثم قال له(3): وكنت على البصرة.
    وقال أسدُ بنُ موسى في " كتاب الورع " : حدثنا الفضيلُ بن عياض ، عن
    منصور ، عن تميم بن سلمة قال : قال ابنُ عامر(4) لعبد الله بن عمر : أرأيتَ هذا العقاب التي نُسَهِّلُها ، والعيون التي نُفَجِّرُها ، ألنا فيها أجرٌ ؟ فقال ابن عمر : أما علمتَ أنَّ خبيثاً لا يُكَفِّرُ خبيثاً قط ؟(5)
    __________
    (1) أخرجه : عبد الرزاق ( 18622 ) .
    (2) تقدم تخريجه .
    (3) قال له ) سقطت من ( ص ) .
    (4) تحرف في ( ص ) إلى : ( ابن عباس ) .
    (5) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 1063 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    حدثنا عبدُ الرحمان بنُ زياد ، عن أبي مليح ، عن ميمون بن مِهران قال : قال ابنُ عمر لابنِ عامر وقد سأله عن العتق : مَثَلُكَ مثلُ رجلٍ سرق إبلَ حاجٍّ ، ثم جاهد بها(1) في سبيل الله ، فانظر هل يقبل منه ؟
    وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع(2) ، كطاووسٍ ووهيب بن الورد(3) يَتَوقَّوْنَ الانتفاع بما أحدثه مثلُ هؤلاء الملوك ، وأما الإمام أحمد – رحمه الله – فإنَّه رخَّصَ فيما فعلوه من المنافع العامة ، كالمساجد والقناطر والمصانع ، فإنَّ هذه ينفق عليها من مال الفيء ، اللهم إلاَّ أنْ يتيقَّن أنَّهم فعلوا شيئاً من ذلك بمالٍ حرام كالمُكوس والغصوب ونحوها ، فحينئذ يتوقَّى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام ، ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أنكر عليهم أخذَهُم لأموال بيت المال لأنفسهم ، ودعواهم أنَّ ما فعلوه منها بعد ذلك ، فهو صدقة منهم ، فإنَّ هذا شبيهٌ بالغصوب ، وعلى مثل هذا يُحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد .
    __________
    (1) في ( ص ) : ( فتصدق بها ) .
    (2) عبارة : ( في الورع ) لم ترد في ( ص ) .
    (3) في ( ص ) : ( ووهب بن المنبه ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    قال أبو الفرج بنُ الجوزي : رأيت بعضَ المتقدمين سُئلَ عمن كسب حلالاً وحراماً من السلاطين والأمراء ، ثم بنى الأربطة والمساجد : هل له ثواب ؟ فأفتى بما يُوجِبُ طيب قلب المنفق ، وأنَّ لهُ في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة ؛ لأنَّه لا يعرف أعيان المغصوبين ، فيرد عليهم . قالَ : فقلتُ واعجباً من متصدِّرين للفتوى لا يعرفونَ أصولَ الشريعة ، ينبغي أنْ ينظر في حال هذا المنفق أوَّلاً ، فإنْ كانَ سلطاناً ، فما يخرج من بيت المال ، قد عرفت وجوهُ مصارفِه ، فكيف يمنع مستحقيه ، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإنْ كان مِن الأُمراء ونوَّابِ السلاطين، فيجب أنْ يردَّ ما يجب ردُّه إلى بيت المال ، وإنْ كان حراماً أو غصباً ، فكلُّ تصرف فيه حرام ، والواجب ردُّه على من أخذ منه أو ورثته ، فإن لم يعرف ردَّ إلى بيت المال(1) يصرف في المصالح أو في الصدقة ، ولم يحظ آخذه بغير الإثم . انتهى .
    وإنَّما كلامُه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ، ويتصرَّفونَ فيه لأنفسهم تصرف المُلاَّكِ ببناء ما ينسبونه إليهم من مدارسَ وأربطةٍ ونحوها مما قد لا يحتاج إليه ، ويخص به قوماً دون قوم ، فأما لو فرض إمامٌ عادلٌ يعطي الناس حقوقهم من الفيء ، ثم يبني لهم منه ما يحتاجون إليه من مسجدٍ ، أو مدرسة ، أو مارستان ، ونحوِ ذلك كان ذلك جائزاً ، ولو كان بعضُ من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه بناء محتاجاً إليه في حال ، يجوز البناء فيه من بيتِ المال ، لكنَّه نسبه إلى نفسه ، فقد يتخرَّجُ على الخلاف في الغاصب إذا ردَّ المالَ إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم
    لا ؟ وهذا كلُّه إذا بني على قدر الحاجة من غير سرفٍ ولا زخرفةٍ .
    __________
    (1) من قوله : ( وإن كان حراماً أو غصباً ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال ، ونهاهم أنْ يتجاوزوا ما تصدَّع منه ، وقال : إني لم أجد للبنيان في مال الله حقاً ، ورُوي عنه أنَّه قال : لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم .
    واعلم أنَّ من العلماء من جعل تصرُّفَ الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفاً على إجازة مالكه ، فإنْ أجاز تصرُّفه فيه جاز ، وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمد أنَّ من أخرج زكاته من مالٍ مغصوبٍ ، ثم أجازه لهُ المالك ، جاز وسقطت عنه الزكاة ، وكذلك خرَّج ابن أبي موسى روايةً عن أحمد : أنَّه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزماً ضمانه في ماله ، ثم أجازه المالك جاز ، ونفذ عتقه ، وهو خلافُ نصِّ أحمد ، وحكي عن الحنفية أنَّه لو غصب شاة ، فذبحها لمتعته وقرانه ، ثم أجازه المالك أجزأت عنه .
    الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب : أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته ، فهذا جائزٌ(1) عند أكثر العلماء ، منهم : مالكٌ ، وأبو حنيفة ، وأحمد وغيرهم . قال ابنُ عبد البر : ذهب الزُّهري ومالك والثوري ، والأوزاعي ، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه ، ويتصدق بالباقي ، روي ذلك عن عُبادة بن الصامت ومعاوية ، والحسن البصري ، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ؛ لأنَّهما كانا يريان أنْ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، قال : وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها ، وجعلوه إذا جاء مخيراً بين الأجر والضمان ، وكذلك الغصوب . انتهى(2) .
    __________
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) التمهيد 1/295 . ( طبعة دار إحياء التراث العربي ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وروي عن مالك بن دينار ، قال : سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ
    حرام ، ولا يعرف أربابه ، ويريدُ الخروج منه ؟ قال : يتصدق به ولا أقول : إنَّ ذلك يُجزئ عنه . قال مالك : كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهباً .
    وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئاً مغصوباً : يردُّه إليهم ، فإنْ لم يقدر
    عليهم ، تصدَّق به كلَّه ، ولا يأخذ رأس ماله ، وكذا قال فيمن باع شيئاً ممن تكره معاملته لشبهة ماله ، قال : يتصدَّقُ بالثمن ، وخالفه ابنُ المبارك ، وقال : يتصدق بالرِّبح خاصَّةً ، وقال أحمد : يتصدَّق بالربح .
    وكذا قال فيمن ورث مالاً من أبيه ، وكان أبوه يبيعُ ممَّن تكره معاملته : أنَّه يتصدَّق منه بمقدار الرِّبح ، ويأخذ الباقي (1). وقد رُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة نحوُ ذلك : منهم : عمرُ بنُ الخطاب ، وعبدُ الله بنُ يزيد الأنصاري .
    والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام : أنَّها تُحفظ ، ولا يُتصَدَّقُ بها حتى يظهر مستحقُّها .
    وكان الفضيلُ بنُ عياض يرى : أنَّ من عنده مالٌ حرامٌ لا يعرف أربابه ، أنَّه يُتلفه ، ويُلقيه في البحر ، ولا يتصدَّق به ، وقال : لا يتقرَّب إلى الله إلاَّ بالطيب .
    والصحيح الصدقةُ به ؛ لأنَّ إتلاف المال وإضاعته منهيٌّ عنه ، وإرصاده أبداً تعريض له للإتلاف ، واستيلاء الظلمة عليه ، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقرُّباً منه بالخبيث ، وإنَّما هي صدقةٌ عن مالكه ، ليكون نفعُه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا .
    وقوله : ( ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ ، يمدُّ يديه إلى السَّماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمُه حرام ، ومشربه حرامٌ ، وملبسه حرام ، وغُذِّي بالحرام ، فأنَّى يُستجاب لذلك ؟! )(2) .
    __________
    (1) من قوله : ( وقال أحمد : يتصدق بالربح ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (2) تقدم تخريجه .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    هذا الكلام أشار فيه - صلى الله عليه وسلم - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته ، وإلى ما يمنع من إجابته ، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة :
    أحدهما : إطالةُ السفر ، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء ، كما في حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن : دعوةُ المظلومِ ، ودعوةُ المسافر ، ودعوةُ الوالد لولده ) (1) ، خرَّجه أبو داود وابن ماجه والترمذي ، وعنده : ( دعوة الوالد على ولده ) .
    وروي مثله عن ابن مسعود من قوله .
    ومتى طال السفر ، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء ؛ لأنَّه مَظنِّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان ، وتحمُّل المشاق ، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء .
    والثاني : حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار ، وهو - أيضاً - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء ، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( ربَّ أشعث أغبرَ ذي طِمرين ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبرَّه )(2)
    __________
    (1) أخرجه : أبو داود ( 1531 ) ، وابن ماجه ( 3862 ) ، والترمذي ( 1905 ) و(3448) .
    وأخرجه : الطيالسي ( 2517 ) ، وأحمد 2/258 و348 و434 و478 و517 و523 ، وعبد بن حميد ( 1421 ) ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 32 ) ( 481 ) ، والعقيلي في "الضعفاء" 1/72 ، وابن حبان ( 2699 ) ، والطبراني في " المعجم الأوسط " ( 24 ) ، والبغوي ( 1394 ) ، قال الترمذي : ( هذا حديث حسن ) ، على أنَّ في إسناده مقالاً ، ولعله قال ذلك لما للحديث من شواهد .
    وأخرجه : أحمد 4/154 من طريق عقبة بن عامر الجهني ، به .
    (2) أخرجه : عبد بن حميد ( 1236 ) ، والطبراني في " المعجم الأوسط " ( 8650 ) بهذا اللفظ من حديث أنس بن مالك ، به .
    وأخرجه : مسلم 8/36 ( 2622 ) ( 138 ) و8/154 ( 2854 ) ( 48 ) من حديث أبي هريرة ، به ، ولم يذكر : ( ذي طمرين ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    . ولما خرج النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للاستسقاء ، خرج متبذِّلاً متواضعاً متضرِّعاً (1) . وكان مُطَرِّفُ بنُ عبد الله قد حُبِسَ له ابنُ أخٍ ، فلبس خُلْقان ثيابه ، وأخذ عكازاً بيده ، فقيل له : ما هذا ؟ قالَ : أستكين لربي ، لعلَّه أنْ يشفِّعني في ابن أخي(2) .
    الثالث : مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ الله تعالى حييٌّ كريمٌ ، يستحيي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أنْ يردَّهما صِفراً خائبتين ) ، خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه . وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما(3)
    __________
    (1) أخرجه : أحمد 1/230 و269 و355 ، وأبو داود ( 1165 ) وابن ماجه ( 1266 ) ، والترمذي ( 558 ) و( 559 ) ، والنسائي 3/156 و163 وفي " الكبرى " ، له ( 1807 ) و( 1808 ) و( 1811 ) و( 1826 ) ، وابن خزيمة ( 1405 ) و( 1408 ) و( 1419 ) ، وابن حبان ( 2862 ) ، والطبراني في " المعجم الكبير " ( 10818 ) و( 10819 ) ، والحاكم 1/326 ، والبيهقي 3/347 ، وقال الترمذي : ( حسن صحيح ) .
    (2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/198 ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 61/238 .
    (3) أخرجه : أحمد 5/438 ، وأبو داود ( 1488 ) ، والترمذي ( 3556 ) ، وابن ماجه ( 3865 ) .
    وأخرجه : ابن حبان ( 876 ) و( 880 ) ، والطبراني في " المعجم الكبير " ( 6148 ) وفي " الدعاء " ، له ( 202 ) ، وابن عدي 2/562 ، والحاكم 1/497 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 1110 ) ، والبيهقي 2/211 ، والخطيب في " تاريخه " 8/317 ، والبغوي ( 1385 ) من طرق عن سلمان الفارسي ، به ، وقال الترمذي : ( حسن غريب ) .
    وأخرجه : أحمد في " الزهد " ( 821 ) ، وهناد في " الزهد " ( 1361 ) من طرق عن سلمان الفارسي ، موقوفاً .
    وأخرجه : معمر في "جامعه " ( 19648 ) ، وعبد الرزاق ( 3250 ) ، والحاكم 1/497-498 ، والبغوي ( 1386 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
    وأخرجه : أبو يعلى ( 1867 ) من حديث جابر بن عبد الله ، به .
    وأخرجه : ابن عدي 2/431 من حديث ابن عمر ، به .

    avatar
    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 2195
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    الحديث العاشر Empty تابع شرح الحديث العاشر

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الثلاثاء 8 يناير 2019 - 8:34

    ● [ الصفحة التالية ] ●

    وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياضُ إبطيه(1) ، ورَفَعَ يديه يومَ بدرٍ يستنصرُ على المشركين حتى(2) سقط رداؤه عن منكبيه(3)
    __________
    (1) عن أنس بن مالك : أنَّه قال : لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستقاء ، فإنه كان يرفعُ يديه حتى يرى بياض إبطيه .
    أخرجه : أحمد 3/181 و282 ، والدارمي ( 1543 ) ، والبخاري 2/39 ( 1031 ) و4/231 ( 3565 ) ، وفي " رفع اليدين " ، له ( 84 ) ، ومسلم 3/24 ( 895 ) ( 5 ) و( 7 ) وأبو داود ( 1170 ) ، وابن ماجه ( 1180 ) ، والنسائي 3/158 وفي " الكبرى " ، له ( 1817 ) و( 1819 ) ، وابن خزيمة ( 1411 ) و( 1791 ) ، والبيهقي 3/357 ، والبغوي ( 1163 ) و( 1164 ) من طرق عن أنس بن مالك ، به .
    (2) سقطت من ( ص ) .
    (3) عن عمر بن الخطاب ، قال : نظر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً ، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة ، ثمَّ مدَّ يديه وجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) فما زال يهتف بربه ، ماداً يديه ، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه من منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه ، فقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك ، إنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله : { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } الأنفال : 9 .
    أخرجه : أحمد 1/30 و32 ، وعبد بن حميد ( 31 ) ومسلم 5/156 ( 1763 ) ( 58 ) ، وأبو داود ( 2690 ) ، والترمذي ( 3081 ) واللفظ له ، والبزار ( 196 ) وابن حبان
    ( 4793 ) ، وأبو نعيم في " الدلائل " ( 408 ) ، والبيهقي 6/321 ، وفي " الدلائل " ، له 3/51-52 من طرق عن عمر بن الخطاب ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صفة رفع يديه في الدُّعاء(1) أنواعٌ متعددة ، فمنها أنَّه كان يُشير بأصبعه السَّبَّابةِ فقط(2) ، وروي عنه أنَّه كان يفعل ذلك على المنبر(3)
    __________
    (1) في ( ص ) : ( إلى السماء ) .
    (2) عن سعد ، قال : مرَّ عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أدعو بأصابعي فقال : ( أحد أحد ) وأشار بالسَّبابة .
    أخرجه : أبو داود ( 1499 ) ، والنسائي 3/38 وفي " الكبرى " ، له ( 1196 ) ، والحاكم 1/536 من طرق عن سعد بن أبي وقاص ، به . وعن أبي هريرة أنه ، قال : إنَّ رجلاً كان يدعو بأصبعيه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أحد أحد ) أخرجه : أحمد 2/420 و520 ، والترمذي ( 3557 ) والنسائي 3/38 وفي " الكبرى " ، له ( 1195 ) ، وابن حبان ( 884 ) ، والحاكم 1/536 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " (1134) ، وفي " الدعوات الكبير " ، له ( 265 ) من طرق عن أبي هريرة ، به
    (3) عن عمارة بن رويبة ، قال : لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر ما يزيد على هذه - يعني : السبابة التي تلي الإبهام .
    أخرجه : أحمد 4/135 و136 و261 ، والدارمي ( 1568 ) و( 1569 ) ، ومسلم 3/13 ( 874 ) ( 53 ) ، وأبو داود ( 1104 ) ، والترمذي ( 515 ) ، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" ( 1581 ) ، وابن خزيمة ( 1793 ) و( 1794 ) ، وابن حبان ( 882 ) ، والبيهقي 3/210 ، والبغوي ( 1079 ) من طرق عن عمارة بن رويبة ، به .
    وعن سهل بن سعد ، قال : ما رأيت رسول الله شاهراً يديه قط يدعو على منبره ولا على غيره . ولكن رأيته ، يقول هكذا : وأشار بإصبعه السبابة يحركها .
    أخرجه : أحمد 5/337 ، وأبو داود ( 1105 ) ، وابن خزيمة ( 1450 ) ، وابن حبان ( 883 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 6023 ) ، والحاكم 1/535-536 ، والبيهقي 3/210 من طرق عن سهل بن سعد ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ، وفعله لما ركب راحلته(1) .
    وذهب جماعة من العلماء إلى أنَّ دعاء القنوت في الصلاة يُشير فيه بإصبعه ، منهم : الأوزاعي ، وسعيدُ بن عبد العزيز ، وإسحاق بن راهويه . وقال ابن عباس وغيره : هذا هو الإخلاص في الدعاء(2) ، وعن ابن سيرين : إذا أثنيت على الله ، فأَشِرْ بإصبعٍ واحدة .
    ومنها : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه وجعل ظُهورَهما إلى جهةِ القبلة وهو مستقبلها ، وجعل بطونَهما ممَّا يلي وجهَه(3) . وقد رُويت هذه الصَّفةُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستسقاء(4) ، واستحبّ بعضُهمُ الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة ، منهم : الجوزجاني .
    وقال بعض السَّلف : الرفع على هذا الوجه تضرُّعٌ .
    __________
    (1) هو جزء من حديث طويل لجابر بن عبد الله في حجة الوداع .
    أخرجه : أحمد 3/320 ، وعبد بن حميد ( 1135 ) ، والدارمي ( 1857 ) ، ومسلم 4/38-43 ( 1218 ) ( 147 ) و( 148 ) ، وأبو داود ( 1905 ) ، وابن ماجه
    ( 3074 ) ، وابن الجارود ( 465 ) و( 469 ) ، وابن خزيمة ( 2534 ) و( 2620 ) = = ... و( 2687 ) و( 2754 ) و( 2755 ) و( 2757 ) و( 2802 ) و( 2812 ) و( 2826 و( 2855 ) و( 2944 ) ، وابن حبان ( 3944 ) ، والبيهقي /6-9 وفي " الدلائل " ، له 5/433-438 .
    (2) أخرجه : عبد الرزاق ( 3244 ) ، والبيهقي 2/133 من طرق عن ابن عباس ، به .
    (3) أخرجه : ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " ( 2590 ) ، والطبراني في "الكبير" ( 6625 ) من طرق عن السائب بن خلاد ، به .
    وأخرجه : أحمد 4/56 من حديث خلاد بن السائب ، به .
    (4) عن عمير مولى آبي اللحم : أنَّه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستسقي عند أحجار الزَّيت قريباً من الزوراء قائماً ، يدعو يستسقي رافعاً كفيه ، لا يجاوز بهما رأسه مقبل بباطن كفيه إلى وجهه .
    أخرجه : أحمد 5/223 ، وأبو داود ( 1168 ) ، والترمذي ( 557 ) وابن حبان ( 878 ) ، والحاكم 1/535 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومنها عكسُ ذلك ، وقد رُوي عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء أيضاً ، ورُوي عن جماعة من السَّلف أنَّهم كانوا يدعون كذلك ، وقال بعضهم : الرفع على هذا الوجه استجارةٌ بالله - عز وجل - واستعاذة به ، منهم : ابنُ عمر ، وابنُ عباس ، وأبو هريرة ، ورُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان إذا استسقى رفعَ يديه ، وإذا (1) استعاذَ رفع يديه على هذا الوجه(2) .
    ومنها : رفع يديه ، جعل كفَّيه إلى السَّماء وظهورهما إلى الأرض . وقد ورد الأمرُ بذلك في سُؤال الله - عز وجل - في غير حديث(3) ، وعن ابن عمر ، وأبي هريرة ، وابن سيرين أنَّ هذا هو الدُّعاء والسُّؤال لله - عز وجل - .
    __________
    (1) عبارة : ( استسقى رفع يديه وإذا ) لم ترد في ( ج ) .
    (2) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا جعل باطن كفيه إلى وجهه .
    أخرجه : أحمد 4/56 من حديث خلاد بن السائب ، به .
    (3) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا سألتم الله عز وجل فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها ) .
    أخرجه : أبو داود ( 1486 ) من حديث مالك بن يسار ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومنها : عكسُ ذلك ، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلي الأرض . وفي " صحيح مسلم " (1) عن أنس : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استسقى فأشار بظهر كفَّيه إلى السَّماء . وخرَّجه الإمام أحمد(2) - رحمه الله - ولفظه : ( فبسط يديه ، وجعل ظاهرهما مما يلي السماء ) . وخرَّجه أبو داود(3) ، ولفظه : استسقى هكذا ، يعني : مدّ يديه ، وجعل بطونَهما مما يلي الأرض .
    وخرّج الإمام أحمد(4) من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - واقفاً بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثُنْدوتِه(5) ، وجعل بُطون كفَّيه مما يلي الأرض . وهكذا وصف حمادُ بن سلمة رفع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يديه بعرفة . ورُوي عن ابن سيرينَ : أنَّ هذا هو الاستجارة . وقال الحميدي : هذا هو الابتهالُ .
    والرابع : الإلحاح على الله بتكرير ذكر (6) ربوبيته ، وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء ، وخرَّج البزارُ(7) من حديث عائشة مرفوعاً : ( إذا قال العبدُ : يا ربِّ أربعاً ، قال الله : لَبَّيْكَ عَبدي ، سل تُعْطَه ) .
    وخرَّج الطبراني(8)
    __________
    (1) الصحيح 3/24 ( 869 ) ( 6 ) ، وأخرجه أيضاً : عبد بن حميد ( 1338 ) ، والبيهقي 3/357 من طرق عن أنس بن مالك ، به .
    (2) في " مسنده " 3/153 و241 ، وأخرجه : البيهقي 3/357 من طرق عن أنس بن مالك ، به .
    (3) في " سننه " ( 1171 ) ، وأخرجه : عبد بن حميد ( 1293 ) ، وابن خزيمة ( 1412 ) ، والبيهقي 3/357 من طرق عن أنس بن مالك ، به .
    (4) في " مسنده " 3/13 و14 و85 و96 .
    وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 29407 ) ، وإسناده ضعيف لضعف بشر بن حرب .
    (5) ثندوته : الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة . انظر : النهاية 1/223 .
    (6) سقطت من ( ص ) .
    (7) في " زوائده " كما في " كشف الأستار " ( 3145 ) ، وإسناده ضعيف لضعف الحكم بن سعيد الأموي .
    (8) في " المعجم الأوسط " ( 5981 ) .
    وأخرجه البخاري في "تاريخه الكبير" 6/457 ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 665 ) ، وهو حديث ضعيف لضعف عامر بن خارجة ، وقال البخاري : ( في إسناده نظر ) ، وقال أبو حاتم كما في " الجرح والتعديل " 3/188 : ( إسناده منكر ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وغيره من حديث سعد بن خارجة : أنَّ قوماً شكوا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قُحُوط المطر ، فقال : ( اجثُوا على الرُّكَب ، وقولوا : يا ربِّ يا ربّ(1) ) ورفع السَّبَّابة إلى السَّماء ، فسُقُوا حتى أحبُّوا أنْ يُكشَفَ عنهم .
    وفي " المسند " وغيره عن الفضل بن عباس(2) ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الصلاةُ مثنى مثنى ، وتَشَهُّدٌ في كلِّ ركعتين ، وتضرُّعٌ ، وتخشعٌ ، وتمسكنٌ ، وتُقنعُ يَديك - يقول : ترفعهما إلى ربِّك مستقبلاً بهما وجهَك - وتقول : يا ربِّ يا ربِّ ، فمن لم يفعل ذلك فهي خِداجٌ )(3) .
    وقال يزيد الرَّقاشي عن أنس : ما مِنْ عبدٍ يقول : يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ، إلا قال له ربُّه : ( لبيك لبيك ) .
    وروي عن أبي الدرداء وابن عباس أنَّهما كانا يقولان : اسم الله الأكبر ربِّ
    ربِّ(4) .
    __________
    (1) في ( ص ) : ( يا رب ) فقط .
    (2) تحرف في ( ص ) إلى : ( الفضيل بن عياض ) .
    (3) أخرجه : أحمد 1/211 و4/167 ، والترمذي ( 385 ) ، والنسائي في "الكبرى" ( 615 ) و( 1440 ) ، وأبو يعلى ( 6738 ) ، وابن خزيمة ( 1213 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 1094 ) و( 1095 ) و( 1096 ) ، والطبراني في " الكبير " 18/( 757 ) ، وفي " الأوسط " ، له ( 4827 ) ، والبيهقي 2/487 ، والبغوي ( 740 ) ، وهو حديث ضعيف مداره على عبد الله بن نافع وهو مجهول .
    (4) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29365 ) ، والحاكم 1/505 عن أبي الدرداء ، وابن عباس ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وعن عطاءٍ قال : ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ (1) ثلاث مرات ، إلاّ نظر الله إليه ، فذكر ذلك للحسن ، فقال : أما تقرءون القرآن ؟ ثم تلا قوله تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } (2) (3) .
    ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تفتتح باسم الرَّبِّ ، كقوله تعالى : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } (4) ،
    { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } (5) ، وقوله : { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } (6) . ومثل هذا في القرآن كثير .
    __________
    (1) يا رب ) لم ترد في ( ج ) .
    (2) أخرجه : ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 4668 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/313 عن الحسن البصري .
    (3) آل عمران : 191-195 .
    (4) البقرة : 201 .
    (5) البقرة : 286 .
    (6) البقرة : 8 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وسئل مالك وسفيان عمَّن يقول في الدعاء: يا سيدي ، فقالا : يقول يا ربّ . زاد مالك : كما قالت الأنبياء في دعائهم .
    وأما ما يمنع إجابة الدعاء ، فقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أنّه التوسُّع في الحرام أكلاً وشرباً ولبساً وتغذيةً ، وقد سبق حديثُ ابن عباس في هذا المعنى أيضاً ، وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد : ( أطِبْ مطعمَكَ ، تَكُنْ مُستجاب الدعوة )(1) فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجبٌ لإجابة الدعاء .
    ورَوى عكرمةُ بن عمار : حدَّثنا الأصفر ، قال : قيل لسعد بن أبي وقاص : تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها ، ومن أين خرجت .
    وعن وهب بن مُنبِّه قال : من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته ، فليُطِب طُعمته ، وعن سهل بن عبد الله قال : من أكل الحلال أربعين يوماً (2) أُجيبَت دعوتُه ، وعن يوسف بن أسباط قال : بلغنا أنَّ دعاءَ العبد يحبس عن السماوات بسوءِ المطعم .
    __________
    (1) تقدم تخريجه .
    (2) في ( ج ) : ( صباحاً ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فأنَّى يستجاب لذلك ) ، معناه : كيف يُستجاب له ؟ فهوَ استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد ، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة ، ومنعها بالكلية ، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة ، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه ، وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعاً من الإجابة أيضاً ، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث : أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء (1) الأخيار(2) ، وفعل الطاعات يكون موجباً لاستجابة الدعاء . ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ ، وانطبقت عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم .
    __________
    (1) لم ترد في ( ص ) .
    (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( يا أيها الناس ، إنَّ الله - عز وجل - ، يقول : مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم ، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني، فلا أنصركم ).
    أخرجه : إسحاق بن راهويه ( 864 ) ، وأحمد 6/159 ، وابن ماجه ( 4004 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 3304 ) و( 3305 ) و( 3306 ) ، وابن حبان ( 290 ) ، والطبراني في " المعجم الأوسط " ( 6665 ) من طرق عن عائشة ، به ، وإسناده ضعيف .
    وأخرجه : أحمد 5/388 و391 ، والترمذي ( 2169 ) ، والبيهقي 10/93 ، وفي " شعب الإيمان " ، له ( 7558 ) ، والبغوي ( 4154 ) من طرق عن حذيفة بن اليمان ، بنحوه ، وقال الترمذي : ( حديث حسن ) .
    وأخرجه : أحمد 5/390 ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/279 من طرق عن حذيفة ، موقوفاً .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال وهب بن مُنبِّه : مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل ، كمثل الذي يرمي بغير وَتَر(1) . وعنه قال : العملُ الصالحُ يبلغ الدعاء ، ثم تلا قوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه } (2) .
    وعن عمر قال : بالورع عما حرَّم الله يقبلُ الله(3) الدعاء والتسبيحَ .
    وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال : يكفي مع البرِّ من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامُ من الملح(4) .
    وقال محمد بن واسع : يكفي من الدعاء (5) مع الورع اليسيرُ(6) ، وقيل لسفيان : لو دعوتَ الله ؟ قالَ : إنَّ تركَ الذنوب هوَ الدعاء .
    وقال الليث(7) : رأى موسى - عليه السلام - رجلاً رافعاً يديه وهو يسأل الله مجتهداً ، فقالَ موسى : أي ربِّ عبدُك دعاكَ(8) حتَّى رحمتَه ، وأنت أرحمُ الراحمين ، فما صنعتَ في حاجته ؟ فقال : يا موسى لو رفع يديه حتّى يَنقَطِعَ ما نظرتُ في حاجته حتى ينظر في حقِّي .
    وخرَّج الطبراني(9) بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابن عباس مرفوعاً معناه .
    __________
    (1) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 322 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 4/53 .
    (2) فاطر : 10 .
    (3) لفظ الجلالة لم يرد في ( ص ) .
    (4) في ( ص ) : ( من الدعاء ما يكفي من الملح ) .
    والأثر أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 319 ) ، وأحمد في " الزهد " ( 789 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/164 .
    (5) عبارة : ( من الدعاء ) لم ترد في ( ص ) .
    (6) أخرجه : ابن عساكر في " تاريخ دمشق " 59/89 .
    (7) عبارة : ( وقال الليث ) لم ترد في ( ص ) .
    (8) لم ترد في ( ص ) .
    (9) في " المعجم الأوسط " ( 540 ) ، وفي إسناده : ( سلام الطويل ) ، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكون " ( 237 ) : ( متروك الحديث ) ، وقال الدارقطني في " الضعفاء والمتروكون " ( 265 ) : ( متروك ).
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال مالك بنُ دينار : أصاب بني إسرائيل بلاءٌ ، فخرجوا مخرجاً ، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه أنْ أَخبرهم أنَّكم تخرُجون إلى الصَّعيد بأبدانٍ نجسة ، وترفعون إليَّ أكُفَّاً قد سفكتُم بها الدماء وملأتم بها بيوتَكم من الحرام ، الآن اشتدَّ غضبي عليكم ، ولن تزدادوا مني إلا بعداً .
    وقال بعض السَّلف : لا تستبطئ الإجابة ، وقد سددتَ طرقها بالمعاصي ، وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :
    نحن نَدْعُو الإله في كُلِّ كَربٍ . كَيْفَ نَرجُو إجابةً لدُعاءٍ
    ثُمَّ نَنساهُ عِندَ كَشفِ الكُروبِ . قَدْ سَدَدْنا طرِيقَها بالذُّنوب
    ● [ تم شرح الحديث ] ●

    الحديث العاشر Fasel10

    جامع العلوم والحكم
    لإبن رجب الحنبلي
    منتدى ميراث الرسول . البوابة
    الحديث العاشر E110


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 14 ديسمبر 2019 - 19:24