الحديث السابع والحديث الثامن

    avatar
    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 2195
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    الحديث السابع والحديث الثامن Empty الحديث السابع والحديث الثامن

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 13:12

    الحديث السابع والحديث الثامن Game10

    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم
    الحديث السابع والحديث الثامن 1410
    ● [ الحديث السابع ] ●

    عَنْ تَميمٍ الدَّاريِّ - رضي الله عنه - : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الدِّينُ النَّصيحَةُ ثلاثاً ) ، قُلْنا : لِمَنْ يا رَسُولَ اللهِ ؟ قالَ : ( للهِ ولِكتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ وعامَّتِهم ).
    رَواهُ مُسلمٌ .

    الشرح
    هذا الحديث خرَّجه مسلم(1) من رواية سُهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بنِ يزيد الليثي ، عن تميم(2) الدَّاري ، وقد روي عن سهيل وغيره ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(3) ، وخرَّجه الترمذي (4) من هذا الوجه ، فمن العلماء مَنْ صححه من الطريقين جميعاً ، ومنهم من قال : إنَّ الصحيح حديثُ تميم ، والإسناد الآخر وهم(5) .
    __________
    (1) في " صحيحه " 1/53 ( 55 ) ( 95 ) و( 96 ) و1/54 ( 55 ) ( 96 ) .
    وأخرجه : الحميدي ( 837 ) ، وأحمد 4/102 ، والبخاري في " التاريخ الكبير " 6/248 ( 2990 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1089 ) و( 1090 ) و( 1091 ) ، وعبد الله ابن أحمد في " زياداته " 4/102 ، والنسائي 7/156 وفي " الكبرى " ، له ( 7820 ) و( 7821 ) و( 8753 ) ، وابن حبان ( 4574 ) و( 4575 ) ، والبيهقي 8/163 وفي " شعب الإيمان "، له ( 7400 ) و( 7401 ) ، والبغوي ( 3514 ) من حديث تميم الداري، به .
    (2) عن تميم ) لم ترد في ( ص ) .
    (3) أخرجه : أحمد 2/297 ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1092 ) و( 1093 ) و( 1094 ) ، والنسائي 7/157 وفي "الكبرى" ، له ( 7822 ) و( 7823 ) و( 8754 ) ، وابن حجر في " تغليق التعليق " 2/58 من حديث أبي هريرة ، به .
    (4) في " جامعه " ( 1926 ) .
    (5) قال البخاري في " التاريخ الأوسط " 2/35 : ( مدار الحديث كله على تميم ولم يصح عن أحد غير تميم ) . وانظر : فتح الباري 1/182 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد رُوي هذا الحديثُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابنِ عمر ، وثوبان ، وابنِ عباسٍ ، وغيرهم(1) .
    وقد ذكرنا في أوَّل الكتاب عن أبي داود : أنَّ هذا الحديث أحدُ الأحاديث التي يدور عليها الفقه(2) .
    وقال الحافظ أبو نُعيم : هذا حديثٌ له شأن ، ذكر محمدُ بنُ أسلم الطوسي أنَّه أحدُ أرباع الدين(3) .
    وخرَّج الطبرانيُّ(4) من حديث حُذيفة بن اليمان ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ لا يَهْتَمُّ بأمرِ المُسلمين فليس منهم ، ومَنْ لَمْ يُمْسِ ويُصْبِحْ ناصِحاً للهِ ولرسوله ولكتابه ولإمامِه ولعامَّة المسلمين فليس منهم ) .
    وخرَّج الإمامُ أحمد(5)
    __________
    (1) أخرجه : الدارمي ( 2757 ) ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 62 ) ، وابن حجر في " تغليق التعليق " 2/60 من حديث ابن عمر ، به .
    وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير " 2/11 ( 1522 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 1095 ) ، والروياني في "مسند الصحابة" ( 657 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 1206 ) من حديث ثوبان ، به .
    وأخرجه : أحمد 1/351 ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 61 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 11198 ) ، وابن حجر في "تغليق التعليق" 2/59 من حديث ابن عباس، به .
    (2) في ( ص ) : ( الدين ) .
    (3) انظر : صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح 1/221 .
    (4) في " الأوسط " ( 7473 ) وفي " الصغير " ، له ( 890 ) .
    وأخرجه : أبو نعيم في " أخبار أصبهان " 2/252 من حديث حذيفة بن اليمان ، به ، وإسناده ضعيف ، انظر : مجمع الزوائد 1/87 .
    (5) في " مسنده " 5/254 .
    وأخرجه : عبد الله بن المبارك في " الزهد " ( 204 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 7833 ) و( 7880 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 8/175 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 3515 ) من حديث أبي أمامة ، به ، وإسناده ضعيف جداً لضعف عبيد الله بن زَحْر ، ولشدة ضعف علي ابن يزيد الألهاني .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    من حديث أبي أمامة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( قال الله - عز وجل - : أحبُّ ما تعبَّدَني به عبدي النصحُ لي ) .
    وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموماً ، وفي بعضها : النصح لولاة أمورهم ، وفي بعضها : نصح ولاة الأمور لرعاياهم .
    فأما الأوَّل : وهو النصحُ للمسلمين عموماً(1) ، ففي " الصحيحين " (2) عن جرير بن عبد الله قال : بايعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على إقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزكاة ، والنصح لكلِّ مسلم .
    وفي " صحيح مسلم " (3) عن أبي هريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( حقُّ المؤمن على المؤمن ستّ ) فذكر منها : ( وإذا استنصحك فانصَحْ له ) . ورُوي هذا الحديث من وجوه أخر عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(4) .
    وفي " المسند " (5)
    __________
    (1) من قوله : ( وفي بعضها : النصح لولاة ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
    (2) صحيح البخاري 1/22 ( 57 ) و1/139 ( 524 ) و2/131 ( 1401 ) و3/94 ( 2157 ) و3/247 ( 2715 )، وصحيح مسلم1/54 ( 56 ) ( 97 ) و( 98 ) و( 99 ).
    وأخرجه : الحميدي ( 795 ) ( 798 ) ، وأحمد 4/360 و361 و364 و365 ، والدارمي ( 2543 ) ، والترمذي ( 1925 ) ، والنسائي 7/152 وفي " الكبرى " ، له ( 321 ) و( 7781 ) ، وابن خزيمة ( 2259 ) من حديث جرير بن عبد الله ، به.
    (3) 7/3 ( 2162 ) ( 5 ) .
    وأخرجه : أحمد 2/321 و372 و412 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 925 )
    و( 991 ) ، والترمذي ( 2737 ) ، والنسائي 4/53 وفي " الكبرى " ، له ( 2065 ) ، وأبو يعلى ( 6504 ) ، وابن حبان ( 242 ) ، والبيهقي 5/347 و10/108 وفي "شعب الإيمان" ( 9167 ) ، والبغوي ( 1405 ) من حديث أبي هريرة ، به .
    (4) أخرجه : أحمد 1/89 ، والدارمي ( 2633 ) ، والبزار ( 850 ) من حديث علي ، به .
    وأخرجه : أحمد 2/68 من حديث ابن عمر ، به .
    (5) مسند الإمام أحمد 3/418 .
    وأخرجه : الطيالسي ( 1312 ) ، وعبد بن حميد ( 438 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 4/11 ، والطبراني في " الكبير " 22/( 888 ) - ( 892 ) عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه ، به ، وإسناد الحديث فيه اضطراب من قبل عطاء بن السائب ؛ لكن المتن له ما يعضده .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( إذا استَنْصَحَ أحَدُكُم أخاه ، فليَنْصَح له ) .
    وأما الثاني : وهو النصحُ لولاة الأمور ، ونصحهم لرعاياهم ، ففي " صحيح
    مسلم " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً : يَرْضَى لكم (1) أنْ تعبُدُوه ولا تُشْرِكوا به شيئاً ، وأنْ تعتصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفرَّقوا ، وأنْ تُناصِحُوا مَنْ وَلاّه الله أمركم(2) ) .
    وفي " المسند " (3) وغيره عن جُبير بنِ مطعم : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته بالخَيْفِ مِنْ مِنى : ( ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئ مسلم : إخلاصُ العمل لله ، ومناصحةُ ولاةِ الأمر ، ولزومُ جماعة المسلمين ) . وقد روى هذه الخطبة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةٌ منهم أبو سعيد الخدري(4) .
    وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرَّجه الدَّارقطني في " الأفراد "(5) بإسناد جيد ، ولفظه : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم : النصيحةُ لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين ) .
    وفي " الصحيحين " (6)
    __________
    (1) عبارة : ( يرضى لكم ) سقطت من ( ص ) .
    (2) صحيح مسلم 5/130 ( 1715 ) ( 10 ) .
    أخرجه : أحمد 2/327 و360 و367 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 442 ) ، وابن حبان ( 3388 ) من حديث أبي هريرة ، به .
    (3) مسند الإمام أحمد 4/80 .
    وأخرجه : ابن حبان في " المجروحين " 1/4-5 ، والطبراني في " الكبير " ( 1541 ) ، والحاكم 1/87 من حديث جبير بن مطعم ، به . وهو حديث قويٌّ .
    (4) أخرجه البزار كما في " كشف الأستار " ( 141 ) من حديث أبي سعيد الخدري ، به .
    (5) لم أجده في أطراف الغرائب والأفراد .
    (6) صحيح البخاري 9/80 ( 7150 ) ، وصحيح مسلم 1/87 ( 142 ) ( 229 ) و6/8 ( 142 ) ( 22 ) .
    وأخرجه : أحمد 5/27 ، وأبو عوانة 4/386 ، وابن قانع في " معجم الصحابة " 3/79 من حديث معقل بن يسار ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن معقل بن يسار ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً ثُمَّ لم يُحِطْها بنصيحةٍ إلا لم يَدْخُلِ الجنة ) .
    وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السَّلامُ أنَّهم نصحوا لأممهم كما أخبر بذلك(1) عن نوحٍ ، وعن صالح ، وقال تعالى (2) : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ } (3) يعني : أنَّ من تخلف عن الجهادِ لعذر ، فلا حرج عليه بشرط أنْ يكونَ ناصحاً لله ورسوله في تخلُّفِهِ ، فإنَّ المنافقين كانوا يُظهرون الأعذارَ كاذبين ، ويتخلَّفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله .
    وقد أخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الدينَ(4) النصيحةُ ، فهذا يدلُّ على أنَّ النصيحة تَشْمَلُ خصالَ الإسلام والإيمانِ والإحسانِ التي ذكرت في حديث جبريل ، وسمَّى ذلك كُلَّه(5) ديناً ، فإنَّ النُّصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهِها ، وهو مَقام الإحسّان ، فلا يكملُ النُّصحُ لله بدون ذلك ، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرَّب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرَّمات والمكروهات على هذا الوجه أيضاً .
    __________
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) تعالى ) لم ترد في ( ج ) .
    (3) التوبة : 91 .
    (4) زاد بعدها في ( ص ) : ( عند الله ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي مراسيل الحسن ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أرأيتُم لو كان لأحدكم عبدانِ ، فكان أحدهما يُطِيعُه إذا أمره ، ويُؤدي إليه إذا ائتمنه ، وينصح له إذا غابَ عنه ، وكان الآخر يَعصيه إذا أمره ، ويخونُه إذا ائتمنه ، ويغِشُّه إذا غاب عنه كانا سواء ؟ ) قالوا : لا ، قال : ( فكذاكم أنتم عند الله - عز وجل - )(1) خرَّجه ابنُ أبي الدنيا .
    وخرَّج الإمام أحمد(2) معناه من حديث أبي الأحوص ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .
    وقال الفضيل بنُ عياض : الحبُّ أفضلُ من الخوف ، ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يُحبك ، والآخر يخافك ، فالذي يُحبّك منهما ينصحُك(3) شاهداً كنت أو غائباً لِحبه إيَّاك ، والذي يخافك عسى أنْ ينصحَك إذا شَهِدْتَ لما يخاف ، ويغشك إذا غبتَ ولا ينصحُك(4) .
    قال عبدُ العزيز بن رفيع : قال الحواريون لعيسى - عليه السلام - : ما الخالصُ من
    العمل ؟ قال : ما لا تُحِبُّ أنْ يَحْمَدَك الناسُ عليه ، قالوا : فما النصحُ لله ؟ قال : أنْ تبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس ، وإنْ عَرَض لكَ أمران : أحدهما لله ، والآخرُ للدنيا ، بدأت بحقِّ الله تعالى(5) .
    قال الخطابيُّ : النصيحةُ كلمةٌ يُعبر بها عن جملة هي إرادةُ الخيرِ للمنصوح له ، قال : وأصلُ النصح في اللغة الخُلوص ، يقال : نصحتُ العسل : إذا خلصتَه من الشمع .
    __________
    (1) أخرجه : البيهقي في كتاب " الزهد الكبير " 2/285 ، وإسناده ضعيف لإرساله.
    (2) في " مسنده " 4/137 .
    وأخرجه : الحميدي ( 883 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 622 ) عن أبي الأحوص ، عن أبيه ، به ، وهو حديث صحيح .
    (3) عبارة : ( منهما ينصحك ) سقطت من ( ص ) .
    (4) انظر : التخويف من النار للمصنف : 17 .
    (5) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 308 ) ، وابن أبي حاتم في " التفسير " ( 10207 ) عن أبي ثمامة الصائدي ، به .
    وانظر : نوادر الأصول للحكيم الترمذي 2/27 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فمعنى النصيحة لله سبحانه : صحةُ الاعتقادِ في وحدانيته ، وإخلاصُ النية في عبادته ، والنصيحة لكتابه : الإيمانُ به ، والعمل بما فيه ، والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوّته ، وبذل الطاعة له فيما أمَرَ به ، ونهى عنه ، والنصيحةُ لعامة المسلمين : إرشادُهم إلى مصالحهم . انتهى(1) .
    وقد حكى الإمامُ أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب " تعظيم قدر الصَّلاة " (2) عن بعض أهلِ العلم أنَّه فسَّر هذا الحديث بما لا مزيدَ على حسنه ، ونحن نحكيه هاهنا بلفظه . قال محمد بن نصر : قال بعض أهل العلم : جماعُ تفسير النصيحة هو عنايةُ القلب للمنصوح له مَنْ كان ، وهي على وجهين : أحدهما فرض ، والآخر نافلة ، فالنصيحةُ المفترضة لله : هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما افترض ، ومجانبة ما حرَّم .
    وأما النصيحة التي هي نافلة ، فهي إيثار مَحبته على محبة نفسه ، وذلك أنْ يَعْرِض أمران ، أحدهما لنفسه ، والآخرُ لربه ، فيبدأ بما كان لربه ، ويؤخر ما كان لنفسه ، فهذه جملة تفسير النصيحة لله ، الفرض منه والنافلة ، ولذلك تفسير ، وسنذكر بعضَه لِيفهم (3) بالتفسير من لا يفهم الجملة .
    __________
    (1) انظر : حاشية السندي 1/158 .
    (2) " تعظيم قدر الصلاة " 2/691-694 .
    (3) في ( ص ) : ( وكذلك فصل تفسيره بعضهم ليفهم ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فالفرضُ منها مجانبةُ نهيه ، وإقامةُ فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقاً له ،
    فإنْ عَجَزَ عن الإقامة بفرضه لآفة حَلَّتْ به من مرض ، أو حبس ، أو غير ذلك ،
    عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلةُ المانعةُ له ، قال الله - عز وجل - : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } (1) ، فسماهم محسنين لِنصيحتهم لله بقلوبهم لمَّا مُنِعُوا من الجهاد بأنفسهم .
    وقد ترفع الأعمالُ كُلُّها عن العبد في بعض الحالات ، ولا يُرفع عنه النصحُ لله ، فلو كان من المرض بحالٍ لا يُمكنه عملٌ بشيء من جوارحه بلسانٍ ولا غيره ، غير أنَّ عقلَه ثابتٌ ، لم يسقط عنه النصحُ لله بقلبه(2) وهو أنْ يندمَ على ذنوبه ، وينويَ إنْ صحَّ أنْ يقومَ بما افترض الله عليه ، ويجتنبَ ما نهاه عنه ، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه .
    وكذلك النصحُ لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما أوجبه على الناس عن أمرِ ربه ، ومن النصح الواجب لله أنْ لا يرضى بمعصية العاصي ، ويُحِبَّ طاعةَ من أطاعَ الله ورسولَه .
    وأما النصيحةُ التي هي نافلةٌ لا فرض (3) : فبذل المجهود بإيثار الله تعالى على كُلِّ محبوب بالقلب وسائرِ الجوارح حتى لا يكونَ في الناصح فضل عن غيره ، لأنَّ الناصحَ إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكُلِّ ما كان في القيام به سرورُه ومحبتُه ، فكذلك الناصحُ لربه ، ومن تنفَّل لله بدون الاجتهاد ، فهو ناصح على قدر عمله ، غير مستحق للنصح بكماله .
    __________
    (1) التوبة : 91 .
    (2) زاد بعدها في ( ص ) : ( وكذا النصح لرسوله فيما أوجبه على الناس ) .
    (3) عبارة : ( لا فرض ) سقطت من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأما النصيحة لكتاب الله ، فشدةُ حبه وتعظيمُ قدره ، إذ هو كلامُ الخالق ، وشدةُ الرغبة في فهمه ، وشدةُ العناية(1) لتدبره والوقوف عند تلاوتهِ ؛ لِطلب معاني ما أحبَّ مولاه أنْ يفهمه عنه ، ويقوم به له بعدَ ما يفهمه ، وكذلك الناصحُ من العباد يفهم وَصِيَّةَ من ينصحه ، وإنْ ورد عليه كتابٌ منه ، عُني بفهمه ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه ، فكذلك الناصحُ لِكتاب ربه ، يعنى بفهمه ؛ ليقوم لله بما أمر به كما يحب ويرضى ، ثم يَنْشُرُ ما فهم في العباد ويُديم دراسته بالمحبة له ، والتخلق بأخلاقه ، والتأدُّب بآدابه .
    وأما النصيحة للرسولِ - صلى الله عليه وسلم - في حياته: فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته، وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته . وأما بعد وفاته : فالعناية بطلب سنته ، والبحث عن أخلاقه وآدابه ، وتعظيم أمره ، ولزوم القيام به ، وشدَّة الغضب ، والإعراض عمَّن تديَّن بخلاف سنته ، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا ، وإنْ كان متديناً بها ، وحبّ مَنْ كان منه بسبيلٍ من قرابة ، أو صِهرٍ ، أو هِجرةٍ أو نُصرةٍ ، أو صحبة ساعة من ليلٍ أو نهارٍ على الإسلام والتشبه به في زيِّه ولباسه.
    وأما النصيحةُ (2) لأئمة المسلمين : فحبُّ صلاحِهم ورشدهِم وعدلهم ، وحبُّ اجتماع الأمة عليهم ، وكراهةُ افتراقِ الأمة عليهم ، والتدينُ بطاعتهم في طاعة الله - عز وجل - ، والبغضُ لمن رأى الخروجَ عليهم ، وحبُّ(3) إعزازهم في طاعة الله - عز وجل - .
    __________
    (1) عبارة : ( فهمه وشدة العناية ) سقطت من ( ص ) .
    (2) زاد بعدها في ( ص ) : ( لكتابه ) .
    (3) سقطت من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأما النصيحةُ للمسلمين : فأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ويُشْفِقَ عليهم ، ويرحمَ صغيرهم ، ويُوَقِّرَ كبيرَهم ، ويَحْزَنَ لحزنهم ، ويفرحَ لفرحهم ، وإنْ ضرَّه ذلك في دنياه كرخص أسعارهم ، وإنْ كان في ذلك فواتُ ربح ما يبيعُ من تجارته ، وكذلك جميعُ ما يضرُّهم عامة ، ويحب صلاحَهم وألفتَهم ودوامَ النعم عليهم ، ونصرَهم على عدوهم ، ودفعَ كل أذى ومكروه عنهم .
    وقال أبو عمرو بن الصلاح (1) : النصيحة كلمةٌ جامعة تتضمَّنُ قيامَ الناصح للمنصوح له بوجوهِ الخير إرادةً وفعلاً.
    فالنصيحةُ لله تعالى : توحيدُه ووصفُه بصفاتِ الكمال والجلال ، وتنزيهُه عما يُضادُّها ويخالِفُها ، وتجنبُ معاصيه ، والقيامُ بطاعته ومحابه بوصفِ الإخلاصِ ، والحبُّ فيه والبغض فيه ، وجهادُ مَنْ كفر به تعالى وما ضاهى ذلك ، والدعاءُ إلى ذلك ، والحثُّ عليه .
    والنصيحةُ لكتابه : الإيمانُ به وتعظيمُه وتنزيهُه ، وتلاوتُه (2) حَقَّ تلاوته ، والوقوفُ مع أوامره ونواهيه ، وتفهُّم علومه وأمثاله ، وتدبرُ آياته ، والدعاءُ إليه ،
    وذبُّ تحريف الغالين(3) وطعنِ الملحدين عنه .
    __________
    (1) " صيانة صحيح مسلم " : 223-224 .
    (2) عبارة : ( حق تلاوته ) سقطت من ( ص ) .
    (3) الذب : يذب ذباً : دفع ومنع . تاج العروس 2/419 ( ذيب ) .
    والتحريف : هو تغيير الكلمة عن معناها . العين : 183 ( حرف ) .
    والغالين : من غلا : غلا الرجل في الأمر غُلواً : جاوز الحد . مجمل اللغة 3/683 ( غلو ) .
    ومراد المصنف راجعه في كتاب " شرح التبصرة والتذكرة " 1/332-334 مع تعليقي عليه .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    والنصيحةُ لِرسوله قريب من ذلك(1) : الإيمان به وبما جاء به وتوقيرُه وتبجيلهُ ، والتمسك بطاعته، وإحياءُ سنته واستنشارة علومه ونشرُها ومعاداةُ من عاداه وعاداها، وموالاةُ من والاه ووالاها ، والتخلقُ بأخلاقه ، والتأدبُ بآدابه ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك .
    والنصيحة لأئمة المسلمين : معاونتُهم على الحق ، وطاعتُهم فيه ، وتذكيرهم به ، وتنبيههم في رفق ولطف ، ومجانبة الوثوب عليهم ، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك .
    والنصيحةُ لعامة المسلمين : إرشادُهم إلى مصالحهم ، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم ، وستر عوراتهم ، وسدِّ خلاتهم ، ونصرتهم على أعدائهم ، والذبّ عنهم ، ومجانبة الغش والحسد لهم ، وأنْ يحبَّ لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ، وما شابه ذلك ، انتهى ما ذكره (2).
    ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم : إيثارُ فقيرِهم وتعليمُ جاهلهم، وردُّ من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردِّهم إلى الحق ، والرفقُ بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضررٍ له في دنياه ، كما قال بعضُ السَّلف : وددتُ أنَّ هذا الخلق أطاعوا الله وأنَّ لحمي قُرِضَ بالمقاريضِ(3) ، وكان عمرُ بن عبد العزيز يقول : يا ليتنِي عملتُ فيكم بكتابِ الله وعملتُم به ، فكلما عملتُ فيكم بسنة ، وقع منى عضوٌ حتى يكونَ آخر شيءٍ منها خروج نفسي .
    __________
    (1) عبارة : ( قريب من ذلك ) سقطت من ( ص ) .
    (2) أي : ابن الصلاح .
    (3) هذا قول زهير بن نعيم البابي . انظر : صفوة الصفوة لابن الجوزي 4/7 ، وتهذيب الكمال للمزي 3/40 ، وتهذيب التهذيب لابن حجر 3/312 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة ، وبيانُ دلالتهما على ما يُخالف الأهواء كلها ، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء ، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها ، ومن ذلك بيان ما صحَّ من حديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ومالم يصح منه بتبين حالِ رواته ومَنْ تُقْبَلُ رواياته منهم ومن لا تُقبل ، وبيان غلط مَنْ غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم .
    ومن أعظمِ أنواع النصح أنْ يَنْصَحَ لمن استشاره في أمره ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - إذا استَنْصَحَ أحدُكُم أخاه ، فليَنْصَحْ له ) (1) ، وفي بعض الأحاديث : ( إنَّ من حقِّ المسلم على المسلم أنْ ينصحَ له إذا غابَ ) (2) ومعنى ذلك : أنَّه إذا ذكر في غيبه بالسوء أنْ ينصره ، ويرد عنه ، وإذا رأى من يريد أذاه في غيبه ، كفه عن ذلك ، فإنَّ النصح في الغيب يدلُّ على صدق النصح، فإنَّه قد يظهر النصحَ في حضوره تملقاً، ويغشه في غيبه .
    وقال الحسن : إنَّك لن تَبْلُغ حقَّ نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تَعْجَزُ عنه .
    قال الحسن : وقال بعضُ أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده إنْ شئتم لأقسمنَّ لكم بالله إنَّ أحبَّ عبادِ الله إلى الله الذين يُحببون الله إلى عباده ويُحببون عباد الله إلى الله ، ويسعون في الأرض بالنصيحة(3) .
    __________
    (1) سبق تخريجه وهو في " مسند الإمام أحمد " 3/418 .
    (2) أخرجه : أحمد 2/321 ، والترمذي ( 2737 ) ، والنسائي 4/53 وفي " الكبرى " ، له
    ( 2065 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 8753 ) من حديث أبي هريرة ، به ، وقال الترمذي : ( حديث صحيح ) .
    (3) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الأولياء " 1/20 عن رجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال فرقد السَّبَخِيُّ : قرأتُ في بعض الكتب : المحبُّ لله - عز وجل - أميرٌ مُؤَمَّرٌ على الأمراء ، زمرتُه أوَّلُ الزمر يومَ القيامة ، ومجلسُه أقربُ المجالس فيما هناك والمحبةُ
    منتهى القربة والاجتهاد ، ولن يسأَمَ المحبون من طول اجتهادهم لله - عز وجل - ، يحبُّونه ويُحِبُّونَ ذكره ، ويُحبِّبونه إلى خلقه ، يمشون بَيْنَ عباده بالنصائح ، ويخافون عليهم من أعمالهم يومَ تبدو الفضائح ، أولئك أولياءُ الله وأحبَّاؤه وأهلُ(1) صفوته ، أولئك الذين لا راحةَ لهم دونَ لقائه .
    وقال ابنُ عُلَيَّةَ في قول أبي بكر المزني : ما فاق أبو بكر - رضي الله عنه - أصحاب
    رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصومٍ ولا صلاةٍ ، ولكن بشيء كان في قلبه ، قال : الذي كان في قلبه الحبُّ لله - عز وجل - ، والنصيحة في خلقه .
    وقال الفضيلُ بن عياض : ما أدركَ عندنا مَنْ أدرك بكثرة الصلاة والصيام ، وإنما أدرك عندنا بسخاءِ الأنفس ، وسلامةِ الصدور ، والنصح للأمة(2) .
    وسئل ابنُ المباركَ : أيُّ الأعمال أفضلُ ؟ قال : النصحُ لله .
    وقال معمر : كان يقال : أنصحُ الناسِ لك مَنْ خاف الله فيك .
    وكان السَّلفُ إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ ، وعظوه سراً حتّى قال بعضهم : مَنْ وعظ أخاه فيما بينه وبينَه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنَّما وبخه(3).
    وقال الفضيل : المؤمن يَسْتُرُ ويَنْصَحُ ، والفاجرُ يهتك ويُعيِّرُ .
    وقال عبد العزيز بن أبي رواد : كان مَنْ كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئاً يأمره في رفق ، فيؤجر في أمره ونهيه ، وإنَّ أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره .
    __________
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/103 ، والبيهقي في " شعب الإيمان "
    ( 10891 ) .
    (3) قال الشافعي : من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه .
    أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/140 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وسئل ابنُ عباس - رضي الله عنهما - عن أمر السلطان بالمعروف ، ونهيه عن المنكر ، فقال : إنْ كنت فاعلاً ولابدَّ ، ففيما بينك وبينه(1) .
    وقال الإمام أحمد رحمه الله : ليس على المسلم نصحُ الذمي ، وعليه نصحُ المسلم . وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( والنصح لكل مسلم ، وأنْ ينصح لجماعةِ المسلمين وعامتهم )(2) .
    __________
    (1) أخرجه: سعيد بن منصور في " سننه " ( 846 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 7592 ).
    (2) سبق تخريجه .
    ● [ تم شرح الحديث ] ●

    avatar
    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 2195
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    الحديث السابع والحديث الثامن Empty الحديث الثامن

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الثلاثاء 8 يناير 2019 - 7:51

    الحديث السابع والحديث الثامن Game10

    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم
    الحديث السابع والحديث الثامن 1410
    ● [ الحديث الثامن ] ●

    عَنِ ابن عُمَرَ - رضيَ الله تعالَى عَنْهُما - : أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ ، فإذا فَعَلوا ذلكَ ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُم وأَموالَهُم، إلاَّ بِحَقِّ الإسلامِ ، وحِسَابُهُم على اللهِ تَعالَى ).
    رَوَاهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ .

    الشرح
    هذا الحديث خرّجاه في " الصحيحين " (1) من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمر .
    وقوله : ( إلا بحقِّ الإسلام ) هذه اللفظة تفرَّد بها البخاري(2) دون مسلم .
    وقد روي معنى هذا الحديث عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وجوهٍ متعددةٍ ففي " صحيح البخاري " (3)
    __________
    (1) صحيح البخاري 1/12 ( 25 ) ، وصحيح مسلم 1/39 ( 22 ) ( 36 ) .
    وأخرجه : ابن حبان ( 175 ) و( 219 ) ، والدارقطني 1/232 ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 4 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 25 ) ، والبيهقي 3/92 و367 و8/177 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 33 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .
    (2) في " صحيحه " 1/12 ( 25 ) .
    (3) صحيح البخاري 1/108 ( 392 ) .
    وأخرجه : أحمد 3/199 و224 و225 ، وأبو داود ( 2641 ) و( 2642 ) ، والترمذي ( 2608 ) ، والنسائي 7/75 و76 و8/109 وفي " الكبرى " ، له ( 3414 ) و( 3415 ) ، وابن حبان ( 5895 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن أنسٍ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أُمِرتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتّى يَشهَدُوا أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأنَّ مُحمَّداً عبدُه ورسولُهُ ، فإذا شَهِدُوا أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسولُ الله ، وصَلَّوا صَلاتَنا ، واستَقْبَلُوا قِبلَتَنا ، وأكلُوا ذَبِيحَتنا ، فقَدْ حَرُمَتْ علينا دِماؤُهم وأموالُهم إلاَّ بحقِّها ) .
    وخرَّجَ الإمامُ أحمد(1) من حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( إنَّما أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يُقيموا الصلاة ، ويُؤْتُوا الزكاة ، ويَشهَدوا أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريكَ(2) له ، وأنَّ محمداً عبده ورسوله ، فإذا فَعَلوا ذلك ، فقد اعتصَمُوا(3) وعَصَمُوا دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها ، وحِسابُهُم على اللهِ - عز وجل - ) .
    وخرَّجه ابن ماجه مختصراً(4) .
    وخرَّج نحوه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضاً(5) ، ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكرُ : إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ، ففي " الصحيحين " (6)
    __________
    (1) في " مسنده " 5/246 .
    وأخرجه : عبد بن حميد ( 113 ) ، وابن ماجه ( 72 ) ، والبزار ( 2669 )
    و( 2670 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 7 ) ، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب .
    (2) عبارة : ( وحده لا شريك له ) لم ترد في ( ص ) .
    (3) فقد اعتصموا ) لم ترد في ( ص ) .
    (4) في " سننه " ( 72 ) .
    (5) في " سننه " ( 71 ) ، وسنده منقطع .
    (6) صحيح البخاري 2/131 ( 1399 ) و4/58 ( 2946 ) و9/19 ( 6924 ) و9/115 ( 7284 ) و( 7285 ) ، وصحيح مسلم 1/38 ( 20 ) ( 32 ) و1/38-39 ( 21 ) ( 33 ) و( 34 ) و( 35 ) .
    وأخرجه : الطيالسي ( 2441 ) ، وأحمد 1/11 و2/314 و345 و377 و423 و439 و475 و482 و502 و528 ، وأبو داود ( 2640 )، وابن ماجه ( 3927 )، والترمذي ( 2606 ) ، والنسائي 5/14 و6/4 و6 و7 و7/77 و78 و79 وفي "الكبرى" ، له ( 3418 ) و( 3419 ) و( 3420 ) و( 3421 ) و( 3422 ) و( 3423 ) و( 3424 ) و( 3425 ) و( 3426 ) ، وابن الجارود ( 1032 ) ، وابن خزيمة ( 2248 )، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/115 ، وابن حبان ( 174 ) و( 216 ) و( 217 ) و( 218 ) و( 220 ) من حديث أبي هريرة ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن أبي هُريرة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ الناس حتَّى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله عَصَمَ منِّي مالَه ونَفسَهُ إلا بحقِّه ، وحِسَابُه على الله - عز وجل - ) وفي رواية لمسلم (1): ( حتّى يَشهَدوا أنْ لا إله إلا الله ، ويُؤمِنوا بي وبما جئتُ به ) .
    وخرَّجه مسلم(2) أيضاً من حديث جابر - رضي الله عنه - ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بلفظ حديث أبي هريرة الأوَّل وزاد في آخره : ثم قرأ : { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } (3) .
    وخرّج أيضاً (4) من حديث أبي مالك الأشجعي ، عن أبيه قال : سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( مَنْ قالَ : لا إله إلاَّ الله وكَفَرَ بما يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ حُرِّمَ مالُه ودَمُه وحسابه على الله - عز وجل - ) .
    وقد رُوي عن سفيان بن عُيينة أنَّه قال : كان هذا في أوَّل(5) الإسلام قَبْلَ فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة ، وهذا ضعيف جداً ، وفي صحته عن سفيان نَظَر ، فإنَّ رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ، وبعضُهُم تأخَّر إسلامُه .
    __________
    (1) في " صحيحه " 1/39 ( 21 ) ( 34 ) من حديث أبي هريرة ، به .
    (2) في " صحيحه " 1/39 ( 21 ) ( 35 ) .
    وأخرجه : عبد الرزاق ( 10021 ) و( 19251 ) ، وأحمد 3/300 ، وابن ماجه ( 3928 ) ، والترمذي ( 3341 ) ، والنسائي 7/79 وفي " الكبرى " ، له ( 3425 ) و( 11606 ) ، وأبو يعلى ( 2282 ) من حديث جابر بن عبد الله ، به .
    (3) الغاشية : 21-22 .
    (4) صحيح مسلم 1/39 ( 23 ) ( 37 ) و1/40 ( 23 ) ( 38 ) .
    (5) في ( ص ) : ( بدو ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ثم قوله : ( عَصَمُوا منِّي دماءهُم وأموالَهُم ) يدلُّ على أنَّه كان عند هذا القول مأموراً بالقتال ، وبقتل من أبى الإسلام ، وهذا كُلُّه بعد هجرته إلى المدينة ، ومن المعلوم بالضرورة أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل مِنْ كل منْ جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط ، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك ، ويجعله مسلماً ، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال : لا إله إلا الله ، لما رفع عليه السيفَ ، واشتدَّ نكيرُه عليه(1) .
    ولم يكن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يشترطُ على مَنْ جاءه يريدُ الإسلامَ أنَّ يلتزمَ الصلاة والزكاة ، بل قد روي أنَّه قبل من قومٍ الإسلام ، واشترطوا أنْ لا يزكوا ، ففي " مسند الإمام أحمد "(2) عن جابر قال : اشترطت ثقيفٌ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا صدقةَ عليها ولا جهادَ ، وأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سَيَصَّدَّقُون ويُجاهدون ) .
    وفيه أيضاً عن نصر بن عاصم الليثي ، عن رجل منهم : أنَّه أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأسلم على أنْ لا يُصلي إلا صلاتين ، فقبل منه(3) .
    __________
    (1) أخرجه : أحمد 5/200 و207 ، والبخاري 5/183 ( 4269 ) ، 9/4 ( 6872 ) ، ومسلم 1/67 ( 96) ( 158 ) و1/68 ( 96 ) ( 159 ) ، وأبو داود ( 2643 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 8540 ) و( 8541 ) من حديث أسامة بن زيد ، به .
    (2) المسند 3/341 .
    وأخرجه : أبو داود ( 3025 ) ، والبيهقي في " دلائل النبوة " 5/306 ، وهو حديث صحيح .
    (3) أخرجه : أحمد 5/25 ، وإسناده كلهم ثقات غير هذا المبهم الذي حدّث نصر بن عاصم . وانظر : المغني 10/625 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث ، وقال : يصحُّ الإسلامُ على الشرط الفاسد ، ثم يُلزم بشرائع الإسلام كُلها ، واستدلَّ أيضاً بأنَّ حكيم بنَ حِزام قال : بايعتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على أن لا أَخِرَّ إلاّ قائماً(1) . قال أحمد : معناه أنْ يسجد من غير ركوع(2) .
    __________
    (1) أخرجه : أحمد 3/402 ، والنسائي 2/205 وفي " الكبرى " ، له ( 675 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 3106 ) ، وإسناده ضعيف لإنقطاعه .
    قوله : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا أخر إلا قائماً :من الخرور : وهو السقوط ، يقال : خَرَّ يَخِرُّ بالكسر ، وَخَرَّ يخُر بالضم : إذا سقط من عُلو .
    انظر : النهاية في غريب الحديث 1/370 .
    (2) انظر : المغنى 10/625 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ(1) بإسنادٍ ضعيف جداً عن أنس قال : لم يكن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلام إلاّ بإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وبالإسلام ، وذلك قولُ الله - عز وجل - : { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } (2) وهذا لا يثبت ، وعلى تقدير ثبوته ، فالمرادُ منه أنَّه لم يكن يُقِرُّ أحداً دخل في الإسلام على ترك الصَّلاةِ والزكاة وهذا حقٌّ ، فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذاً لما بعثه إلى اليمن أنْ يدعُوَهُم أوَّلاً إلى الشهادتين ، وقال : ( إنْ هُم أطاعوا لذلك ، فأعلمهم بالصلاة ، ثم بالزكاة )(3) ومرادُه أنَّ من صار مسلماً بدخوله في الإسلام أمر(4) بعد ذلك بإقام الصلاة ، ثم بإيتاء الزكاة ، وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان(5) الإسلام ، كما قال لجبريل - عليه السلام - لما سأله عن الإسلام(6) ، وكما قال للأعرابيِّ الذي جاءه ثائر الرأس يسأل عن الإسلام(7) .
    __________
    (1) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 12 ) .
    (2) المجادلة : 13 .
    (3) أخرجه : الشافعي في " مسنده " ( 673 ) بتحقيقي ، والدارمي ( 1614 ) و( 1622 ) و( 1631 ) ، والبخاري 2/130 ( 1395 ) و2/147 ( 1458 ) و2/158 ( 1496 ) و5/205 ( 4347 ) و9/140 ( 7371 ) ( 7372 ) ، ومسلم 1/38 ( 19 ) ( 30 ) من حديث ابن عباس ، به .
    (4) سقطت من ( ص ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) تقدم تخريجه .
    (7) أخرجه: البخاري 1/18 ( 46 ) و3/30 ( 1891 ) و3/235 ( 2678 ) و9/29 ( 6956 )، ومسلم 1/31 ( 11 ) ( 8 ) و1/32 ( 11 ) ( 9 ) من حديث طلحة بن عبيد الله .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وبهذا الذي قرَّرناه يظهر الجمع بين ألفاظ(1) أحاديث هذا الباب ، ويتبين أنَّ كُلَّها
    حقٌّ ، فإنَّ كلمتي الشهادتين بمجردهما تَعْصِمُ من أتى بهما ، ويصير بذلك مسلماً ، فإذا دخل في الإسلام ، فإنْ أقام الصلاة ، وآتى الزكاة ، وقام بشرائع الإسلام ، فله ما
    للمسلمين ، وعليه ما عليهم ، وإنْ أخلَّ بشيء من هذه الأركان ، فإنْ كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قُوتِلوا .
    وقد ظنَّ بعضُهم أنَّ معنى الحديثِ : أنَّ الكافرَ يُقاتل حتى يأتي بالشهادتين ، ويقيمَ
    الصلاة ، ويؤتيَ الزكاة ، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع ، وفي هذا
    نظر ، وسيرة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قتال الكفار تَدُلُّ على خلاف هذا ، وفي " صحيح مسلم " (2) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا علياً يومَ خيبر ، فأعطاه الراية وقال : ( امشِ ولا تَلتَفِتْ حتّى يفتَحَ الله عليكَ ) فسار عليٌّ شيئاً ، ثم وقف ، فصرخ : يا رسولَ الله على ماذا أُقاتِلُ الناس ؟ فقال : ( قاتلهم على أنْ يشهدوا أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول اللهِ ، فإذا فَعلُوا ذلك ، فقدْ عَصَموا منكَ دِماءهُم وأموالَهم إلاّ بحقِّها ، وحِسابُهُم على الله - عز وجل - ) فجعل مجرَّد الإجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموال إلا بحقها ، ومِنْ حقها الامتناعُ من الصلاة والزكاة بعدَ الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة - رضي الله عنهم -(3) .
    __________
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) الصحيح 7/121 ( 2405 ) ( 33 ) و( 2406 ) ( 34 ) .
    وأخرجه : الطيالسي ( 2441 ) ، وأحمد 2/384 ، والنسائي في " الكبرى " ( 8546 ) و( 8547 ) و( 8549 ) .
    (3) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/59 ، وفتح الباري 1/104 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومما يدلُّ على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة من القرآن قولُه تعالى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } (1) وقولُه تعالى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } (2) وقولُه تعالى :{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ } (3) مع قوله تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } (4) .
    وثبت أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزا قوماً لم يُغِرْ عليهم حتى(5) يُصبحَ فإنْ سمع أذاناً وإلا أغارَ عليهم ، مع احتمال أنْ يكونوا قد دخلُوا في الإسلام(6) . وكان يُوصي سراياه : ( إنْ سمعتُم مؤذناً أو رأيتم مسجداً ، فلا تقتلوا أحداً )(7) .
    __________
    (1) التوبة : 5 .
    (2) التوبة : 11 .
    (3) البقرة : 193 .
    (4) البينة : 5 .
    (5) في ( ص ) : ( إذا غزا لم يغر حتى ) .
    (6) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1345 ) برواية يحيى الليثي ، والطيالسي ( 2127 ) ، وأحمد 3/159 و206 و236 و237 و263 ، والبخاري 1/158 ( 610 ) و4/58 ( 2943 ) و( 2944 ) و( 2945 ) ، وأبو داود ( 2596 ) و( 2638 ) ، والترمذي ( 1550 ) ، والنسائي في "الكبرى" ( 8544 ) ، وأبو يعلى ( 2908 ) و( 3804 ) ، وابن حبان ( 4745 ) و( 4746 ) ، والبيهقي 9/79 و80 و108 ، والبغوي ( 2702 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
    (7) أخرجه : الحميدي ( 820 ) ، وسعيد بن منصور ( 2385 ) ، وأحمد 3/448 ، وأبو داود ( 2635 ) ، والترمذي ( 1549 ) ، والبزار ( 1731 ) ، والطبراني في "الكبير" 17/( 467 ) ، والبيهقي 9/108 ، والبغوي ( 2703 ) من حديث عصام المزني ، وإسناده ضعيف لجهالة ابن عصام .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد بعث عُيينة بنَ حِصنٍ إلى قوم من بني العنبر ، فأغار عليهم ولم يسمع أذاناً ، ثم ادَّعوا أنَّهم قد أسلموا قبل ذلك .
    وبعث - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل عُمان كتاباً فيه : ( مِنْ محمد النَّبيِّ إلى أهل عُمان ، سلامٌ أما بعدُ : فأقِرُّوا بشهادةِ أنْ لا إله إلا الله ، وأنِّي رسولُ الله ، وأدُّوا الزكاة ، وخُطوا المساجد ، وإلا غَزَوْتُكم ) خرَّجه البزار والطبراني وغيرهما(1) .
    فهذا كله يدلُّ على أنَّه كان يعتبر حالَ الداخلين في الإسلام ، فإنْ أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قِتالهم ، وفي هذا وقع تناظرُ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما(2) كما في " الصحيحين "(3) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : لمَّا توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستخلف أبو بكر الصديق بعده(4) ، وكَفَرَ مَنْ كَفَر مِنَ العربِ ، قال عمر لأبي بكر : كيف تُقاتلُ الناسَ وقد قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أُمِرتُ أنْ أقاتِلَ الناسَ حتّى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عَصَم منِّي ماله ونفسَه إلا بحقه وحسابُه على الله - عز وجل - ) فقال أبو بكر : والله لأقاتلَنَّ من فرَّق بين الصَّلاة والزكاة فإنَّ الزكاة حقُّ المال ، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتُهم على منعه ، فقال عمر : فوالله ما هو إلا أنْ رأيتُ أنَّ الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفتُ أنَّه الحق .
    __________
    (1) أخرجه : البزار ( 880 ) ، والطبراني في " الأوسط " ( 6849 ) من حديث أبي شداد ، به ، وإسناده ضعيف ، انظر : مجمع الزوائد 3/64 .
    (2) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/53 .
    (3) أخرجه : البخاري 2/131 ( 1399 ) و4/58 ( 2946 ) و9/19 ( 6924 ) و9/115 ( 7284 ) و( 7285 ) ، ومسلم 1/38 ( 20 ) ( 32 ) و1/38-39 ( 21 ) ( 33 ) و( 34 ) و( 35 ) .
    (4) سقطت من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فأبو بكر - رضي الله عنه - أخذ قتالهم من قوله : ( إلا بحقه ) فدلَّ على أنَّ قتال من أتى بالشهادتين بحقه جائز ، ومن حقه أداء حقِّ المالِ الواجب ، وعمر - رضي الله عنه - ظنَّ أنَّ مجرَّد الإتيان بالشهادتين يَعصِمُ الدمَ في الدنيا تمسكاً بعموم أوَّل الحديث كما ظنَّ طائفة من الناس أنَّ من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكاً(1) بعموم ألفاظ وردت ، وليس الأمر على ذلك ، ثم إنَّ عمر رجع إلى موافقة أبي بكر - رضي الله عنه -(2) .
    __________
    (1) قوله : ( أول الحديث كما ظن ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
    (2) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/53 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد خرَّج النسائي قصةَ تناظر أبي بكر وعمر بزيادة : وهي أنَّ أبا بكر قال لعمر : إنَّما قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أُمرت أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتّى يَشهدُوا أنْ لا إله إلا الله ، وأنِّي رسولُ الله ، ويُقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة )(1) وخرجه ابنُ خزيمة في " صحيحه " (2) ، ولكن هذه الرواية أخطأ فيها عمران القطان إسناداً ومتناً ، قاله أئمة الحفاظ ، منهم : علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي ، ولم يكن هذا الحديث عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر ، وإنَّما قال أبو بكر : والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة ، فإنَّ الزكاة حقُّ المال ، وهذا أخذه - والله أعلمُ - من قوله في الحديث(3) ( إلاّ بحقها ) . وفي رواية : ( إلاّ بحقِّ الإسلام ) فجعل من حقِّ الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، كما أنَّ من حقه أنْ لا يرتكب الحدود ، وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله : ( إلا بحقها )(4) .
    وقوله : لأقاتلنَّ مَنْ فرّق بين الصلاة والزكاة ، فإنَّ الزكاة حقُّ المال ، يدلّ على أنَّ من ترك الصلاة ، فإنَّه يقاتل ؛ لأنَّها حقُّ البدن ، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حقُّ المال .
    وفي هذا إشارة إلى أنَّ قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه ؛ لأنَّه جعله أصلاً مقيساً عليه ، وليس هو مذكوراً في الحديث الذي احتج به عمر(5) وإنَّما أخذ من قوله : ( إلا بحقها ) فكذلك الزكاة ؛ لأنَّها من حقها ، وكلّ ذلك من حقوق الإسلام(6) .
    __________
    (1) أخرجه : النسائي في " المجتبى " 5/14-15 عن أبي هريرة ، به .
    (2) مختصر المختصر ( 2247 ) من حديث أنس بن مالك ، به ، وانظر تعليقي هناك.
    (3) عبارة : ( في الحديث ) لم ترد في ( ص ) .
    (4) انظر : السنن للبيهقي 8/177 ، وشرح النووي لصحيح مسلم 2/53 ، وفتح الباري 1/104 .
    (5) لم ترد في ( ص ) .
    (6) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/53 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُستدلُّ أيضاً على القتال على ترك الصلاة بما في " صحيح مسلم " (1) عن أمِّ سلمةَ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يُستَعْمَل عليكُم أُمراءُ ، فتَعرِفون وتُنكِرون ، فمن أنكرَ فقد بَرِئ ، ومن كَرِهَ فقد سَلِم ، ولكن من رَضِي وتَابَع ) فقالوا : يا رسول الله ألا نُقاتِلُهم ؟ قال : ( لا ما صلَّوا ) .
    وحكمُ من ترك شيئاً من(2) أركانِ الإسلام أنْ يُقاتلوا عليها كما يقاتلون على تركِ الصلاة والزكاة .
    وروى ابنُ شهاب ، عن حنظلة بن علي بن الأسقع : أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق بعث خالدَ بن الوليد ، وأمره أنْ يقاتل الناسَ على خمسٍ ، فمن ترك واحدةً من الخمس ، فقاتله عليها كما تُقاتل على الخمس : شهادةِ أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، وإقام الصلاةِ ، وإيتاءِ الزكاةِ ، وصوم رمضان(3) .
    وقال سعيد بن جبير : قال عمرُ بن الخطاب : لو أنَّ الناس تركوا الحجَّ لقاتلناهم عليه ، كما نُقاتِلُهم على الصلاة والزكاة . فهذا الكلامُ في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات .
    __________
    (1) الصحيح 6/23 ( 1854 ) ( 64 ) وعقب 6/24 ( 1858 ) ( 64 ) .
    وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 37296 ) ، وأحمد 6/295 و302 و305 و321 ، وأبو داود ( 4760 ) و( 4761 ) ، والترمذي ( 2265 ) ، وأبو يعلى ( 6980 ) ، وأبو عوانة 4/471 و473 ، والطبراني في " الكبير " 23/( 760 ) و( 761 ) و( 762 ) ، والبيهقي 3/367 و8/158 ، وابن عبد البر في " التمهيد " 4/234 ، والبغوي ( 2459 ) .
    (2) في ( ج ) : ( سائر ) .
    (3) انظر : تعظيم قدر الصلاة ( 975 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأما قتلُ الواحد الممتنع عنها ، فأكثرُ العلماء على أنَّه يُقتَلُ الممتنع من الصلاة ، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد وأبي عُبيد ، وغيرهم(1) ، ويَدلُّ على ذلك ما في " الصحيحين "(2) عن أبي سعيد الخدريّ : أنَّ خالدَ بنَ الوليد استأذن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في قتل رجل ، فقال : ( لا ، لعله أنْ يكونَ يُصلي ) ، فقال خالد : وكم مِنْ مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنِّي لم أُومَر أنْ أُنَقِّبَ عن قلوبِ الناسِ ولا أشُقَّ بُطونَهُم(3) ) .
    وفي " مسند الإمام أحمد "(4)
    __________
    (1) قال الإمام ابن رشد القرطبي : ( وأما الواجب على من تركها عمداً وأُمر بها فأبى أنْ يصليها لا جحوداً لفرضها ، فإنَّ قوماً ما قالوا : يقتل ، وقوماً قالوا : يُعزر ويحبس ، والذين قالوا يقتل منهم من أوجب قتله كفراً ، وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك وأبو إسحاق بن شاقلا والحسن البصري والنخعي وأيوب السختياني والشعبي والأوزاعي ومحمد بن الحسن وابن حزم وحماد بن زيد وابن حامد ، ومنهم من أوجبه حَدَّاً وهو مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه . وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يُصلي . والسبب في هذا الاختلاف اختلاف الآثار ) .
    انظر : بداية المجتهد 1/117 ، والأم 2/563 ، والحاوي الكبير 2/525 ، والإشراف على نكت مسائل الخلاف 1/352 ، والمحلى 2/155-156 ، والانتصار في المسائل الكبار 2/603-604 ، والمغني 2/297-298 ، والذخيرة في فروع المالكية 2/305 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/447 ، ومنتهى الإرادات 1/52، ونيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب 1/111-112، والفقه الإسلامي وأدلته 1/658 ، وفقه العبادات للعلامة محمد بن صالح العثيمين : 58 و109-110
    (2) أخرجه : البخاري 5/207 ( 4351 ) ، ومسلم 3/110 ( 1064 ) ( 144 ) .
    (3) في ( ص ) : ( قلوبهم ) .
    (4) المسند 5/432 و433 .
    وأخرجه : أبو داود ( 4928 ) ، والبيهقي 3/367 و8/196 ، وابن عبد البر في " التمهيد " 10/150 و162 و163 و164 و165 و166 و167 ، وهو حديث صحيح .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار : أنَّ رجلاً منَ الأنصار حدَّثه أنَّه أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ( أليس يَشهَدُ أنْ لا إله إلا الله ؟ ) قال : بلى ، ولا شهادة له ، قال : ( أليس
    يُصلي ؟ ) قال : بلى ، ولا صلاةَ له ، قال : ( أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم ) .
    وأما قتلُ الممتنع عن أداءِ الزكاة ، ففيه قولان لمن قال : يقتل الممتنع من فعل الصلاة :
    أحدهما: يقتل أيضاً، وهو المشهورُ عن أحمد ، ويستدلُّ له بحديث ابن عمر هذا(1).
    والثاني : لا يقتل ، وهو قولُ مالك ، والشافعي ، وأحمد في رواية(2) .
    وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه : يُقتل بتركه(3) ، وقال الشافعي وأحمد في رواية : لا يقتلُ بذلك ، ويستدلُّ له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه ، فإنَّه ليس في شيء منها ذكرُ الصوم ، ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب : الصوم لم يجئ فيه شيء(4) .
    قلتُ : قد روي عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً : أنَّ من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام ، فهو كافر حلال الدم(5) بخلاف الزكاة والحجِّ(6) . وقد سبق ذكرُه في
    شرح (7) حديث : ( بني الإسلام على خمس )(8) .
    __________
    (1) انظر : الحاوي الكبير 2/526 ، والانتصار في المسائل الكبار 2/613 ، والمغني 2/298 .
    (2) انظر : الانتصار في المسائل الكبار 2/613-614 .
    (3) انظر : الانتصار في المسائل الكبار 2/613 .
    (4) انظر : الانتصار في المسائل الكبار 2/613 .
    (5) في ( ص ) : ( المال والدم ) .
    (6) أخرجه : اللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1576 ) ، وأبو يعلى ( 2349 ) .
    (7) سقطت من ( ص ) .
    (8) انظر : الحديث الثالث .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأما الحج ، فعن أحمد في القتل بتركه روايتان ، وحمل بعضُ أصحابنا روايةَ قتله على من أخَّره عازماً على تركه بالكلية ، أو أخَّره وغلب على ظنه الموت في عامه ، فأما إنْ أخَّره معتقداً أنَّه على التراخي كما يقولُهُ كثيرٌ من العلماء ، فلا قَتلَ بذلك(1) .
    وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا بحقِّها ) وفي رواية : ( إلاّ بحقِّ الإسلام ) قد سبق أنَّ أبا بكر أدخل في هذا الحقِّ فعلَ الصلاة والزكاة ، وأنَّ من العلماء من أدخل فيه فعلَ الصيامِ والحج أيضاً .
    ومن حقها ارتكابُ ما يُبيح دمَ المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسيرُ حقها بذلك، خرَّجه الطبراني وابنُ جرير الطبري من حديث أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتّى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها ، عَصَمُوا منِّي دماءهُم وأموالَهم إلا بحقِّها ، وحِسَابُهم على الله - عز وجل - ) قيل : وما حَقُّها ؟ قال : ( زِنىً بعد إحصانٍ ، وكفرٌ بعد إيمانٍ ، وقتلُ نفسٍ ، فيُقتل بها(2) ) ولعلَّ آخِرَه من قولِ أنس ، وقد قيل : إنَّ الصوابَ وقفُ الحديث كله عليه .
    ويشهدُ لهذا ما في " الصحيحين "(3)
    __________
    (1) انظر : الانتصار في المسائل الكبار 2/613-614 ، والمغني 2/298 .
    (2) أخرجه : الطبراني في " الأوسط " ( 3221 ) ، وقال : ( لم يرو هذا اللفظ الذي في آخر الحديث عن حُميد إلاّ أبو خالد الأحمر ، تفرد به عمرو بن هاشم ) .
    قلت : عمرو بن هاشم صدوق يخطئ كما في " التقريب " ( 5127 ) .
    (3) صحيح البخاري 9/6 ( 6878 ) ، وصحيح مسلم 5/106 ( 1676 ) ( 25 ) و( 26 ) .
    وأخرجه : الطيالسي (289 ) ، وعبد الرزاق ( 18704 ) ، والحميدي ( 119 ) ، وأحمد 1/382 و428 و444 و465 ، والدارمي ( 2303 ) و( 2451 ) ، وأبو داود ( 4352 ) ، وابن ماجه ( 2534 ) ، والترمذي ( 1402 ) ، والنسائي 7/90 و8/13 ، وابن الجارود ( 832 ) ، وأبو يعلى ( 5202 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 1804 ) ، والشاشي ( 375 ) و( 376 ) و( 377 ) و( 379 ) ، وابن حبان ( 4407 ) و( 4408 ) و( 5976 ) و( 5977 ) ، والدارقطني 3/68 ( 3071 ) ( طبعة دار الكتب العلمية ) ، والبيهقي 8/19 و194 و202 و213 وفي "شعب الإيمان" ، له ( 5331 ) من حديث عبد الله بن مسعود ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن ابن مسعود ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلم يَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله ، وأني رسولُ الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ : الثَّيِّبِ الزَّاني ، والنفسِ بالنفسِ ، والتَّاركِ لدينه المفارق للجماعة ) ، وسيأتي الكلامُ على هذا الحديث مستوفى عندَ ذكره في موضعه من هذا الكتاب إنْ شاء الله تعالى(1) .
    وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وحسابُهُم على الله - عز وجل - ) يعني : أنَّ الشهادتين مع إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة تَعصِمُ دمَ صاحبها وماله في الدنيا إلا أنْ يأتيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأما في الآخرة، فحسابُه على اللهِ - عز وجل - ، فإنْ كان صادقاً ، أدخله الله بذلك الجنة ، وإنْ كان كاذباً فإنَّه من جملة المنافقين في الدَّرْك الأسفل من النار .
    وقد تقدَّم أنَّ في بعض الروايات في " صحيح مسلم " (2) ثم تلا : { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } (3) والمعنى : إنَّما عليك تذكيرُهم بالله ، ودعوتهم إليه، ولستَ مسلطاً على إدخالِ الإيمانِ في قلوبهم قهراً ولا مكلفاً بذلك، ثم أخبر أنَّ مرجعَ العبادِ كلهم إليه وحسابُهم عليه(4) .
    __________
    (1) سيأتي عند الحديث الرابع عشر .
    (2) انظر : .
    (3) الغاشية : 21-26 .
    (4) انظر : تفسير الطبري 15/207-208 ، وتفسير البغوي 5/246 ، والمحرر الوجيز 15/427 ، وتفسير ابن الجوزي 9/100-101 ، وتفسير القرطبي 20/37-38 ، والبحر المحيط 8/459 ، والدر المنثور 6/576 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي " مسند البزار "(1) عن عياض الأنصاري ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ لا إله إلا الله كلمةٌ على اللهِ كريمةٌ ، لها عندَ اللهِ مكانٌ ، وهي كلمةٌ من قالها صادقاً ، أدخله الله بها الجنةَ ، ومن قالها كاذباً حقنت مالَه ودمَه ، ولَقِيَ الله غداً فحاسبه(2) ) .
    وقد استدلَّ بهذا من يرى قبولَ توبةِ الزنديقِ ، وهو المنافق إذا أظهر العودَ إلى الإسلام ، ولم يرَ قتله بمجرَّدِ ظهورِ نفاقه ، كما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعامِلُ المنافقين ، ويُجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن ، وهذا قولُ الشافعي وأحمد في رواية عنه ، وحكاه الخطابيُّ عن أكثر العلماء ، والله أعلم(3) .
    __________
    (1) كشف الأستار ( 4 ) .
    (2) في ( ص ) : ( وفي غداً فحاسبه ) .
    (3) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/56 .
    ● [ تم شرح الحديث ] ●

    الحديث السابع والحديث الثامن Fasel10

    جامع العلوم والحكم
    لإبن رجب الحنبلي
    منتدى ميراث الرسول . البوابة
    الحديث السابع والحديث الثامن E110


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 14 ديسمبر 2019 - 18:51