بّسم الله الرّحمن الرّحيم
الأنباء فى قصص الأنبياء
العبد الصالح ويوشع وقارون
والياس واليسع وطالوت

قصة العبد الصالح وخبره مع موسى
قال أهل الكتاب: إن موسى صاحب العبد الصالح هو موسى بن منشى بن يوسف بن يعقوب،
والحديث الصحيح عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أن موسى صاحب العبد الصالح هو موسى بن عمران على ما نذكره، وكان العبد الصالح ممّن كان في أيام أفريدون الملك ابن اثغيان في قول علماء أهل الكتاب الأول قبل موسى بن عمران، وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكب الذي كان في أيام ابراهيم الخليل، وإنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة فرشب من مائه ولا يعلم ذو القرنين ومن معه، فخلّد وهو حيّ عندهم الى الآن، وزعم بعضهم: أنّه كان من ولد من آمن مع ابراهيم وهاجر معه، واسمه يليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكاً عظيماً، وقال آخرون: ذو القرنين الذي كان على عهد ابراهيم أفريدون بن اثغيان،
وقال ابن اسحاق: استخلف الله على بني اسرائيل رجلاً منهم يقال له ناشية بن أموص، فبعث الله لهم العبد الصالح معه نبيّاً، قال: واسمه الخضر وفيما يقول بنو اسرائيل ان اسمه إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون بن عمران، وبين هذا الملك وبين أفرويدون أكثر من ألف عام.
وقول من قال إن العبد الصالح كان في أيّام أفريدون وذي القرنين الأكبر قبل موسى بن عمران أشبه للحديث الصحيح أنّ موسى بن عمران أمره الله بطلب العبد الصالح، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان أعلم الخلق بالكائن من الأمور، فيحتمل أن يكون العبد الصالح على مقدمة ذي القرنين قبل موسى، وأنه شرب من ماء الحياة فطال عمره، ولم يرسل في أيّام ابراهيم، وبعث في أيام ناشية بن أموص، وكان ناشية هذا في أيّام بشتاسب بن لهراسب، والحديث ما رواه أبيّ بن كعب عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: إنّ نوفا يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران، قال : كذب عدوّ الله، حذّثني أبيّ بن كعب عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، قال: إن موسى قام في بني اسرائيل خطيباً فقيل له: أيّ الناس أعلم فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال: يا ربّ هل هناك أعلم مني قال: بلى، عبد لي بمجمع البحرين، قال: يا رب كيف لي به قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مكتل فحيث تفقده فهو هناك، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثمّ قال لفتاه: إذا فقدت هذا الحوت فأخبرني، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا الصخرة وذلك الماء، وهو ماء الحياة، فمن شرب منه خلد ولا يقاربه شيد ميت إلاّ حيي، فمسّ الحوت منه فحيي، وكان موسى راقداً، واضطرب الحوت في المكتل فخرج في البحر، فأمسك الله عنه جرية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرباً، وكان لهما عجباً، ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، قال: ولم يجد موسى النصب حتى تجاوز حيث أمره الله، فقال: (أرأيت إذ أوينا الى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً؛ قال ذلك ما كنا نبغ، فارتدا على آثارهما قصصاً) الكهف : 63 - 46، قال: يقصّان آثارهما حتى أتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجّى بثوبه، فسلّم موسى عليه، فقال: وأنَّى بأرضنا السلام قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، قال: يا موسى إني على علم من علم الله علّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله لا أعلمه، قال: فإني أتبعك علي أن تعلّمني مما علّمت رشداً، (قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتى أحدث لك منه ذكراً) الكهف : 70، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ثمّ ركبا سفينة، فجاء عصفور فقعد علي حرف السفينة فنقر في الماء، فقال العبد الصالح لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ مقدار ما نقر هذا العصفور من البحر.
قال: فبينا هم في السفينة لم يفجأ موسي إلا وهو يوتد وتداً أو ينزع تختاً منها، فقال له موسى: حملنا بغير نول فتخرقها (لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمراً؛ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال: لا تؤاخذني بما نسيت) الكهف : 71 - 73، قال: وكانت الأولي من موسى نسياناً، قال: فخرجا فانطلقا يمشيان فأبصرا غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: (أقتلت نفساً زكيّةً بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً؛ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تصاحبني، قد بلغت من لدنّي عذراً، فانطلقا حتى رذا أتيا زهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما) الكهف : 74 - 77 فلم يجدا أحداً يطعمهما ولا يسقيهما، (فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه)، فقال له موسى: لم يضيّفونا ولم ينزلونا، (لو شئت لاتّخذت عليه أجراً؛ قال هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً؛ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً؛ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً؛ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أوبهما صالحاً) - إلى - (ما لم تسطع عليه صبراً) الكهف: : 79 - 82.
فكان ابن عبّاس يقول: ما كان الكنز إلا علماً، قيل لابن عبّاس: لم نسمع لفتى موسى بذكر؛ فقال: شرب الفتى من الماء فخلّد، فأخذه العالم فطابق به سفينته ثمّ أرسلها في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة.
الحديث يدلّ على أن العبد الصالح كان قبل موسى وفي أيّامه، ويدلّ على خطأ من قال إنه إرميا، لأنّ إرميا كان أيّام بخت نصّر، وبين أيام موسى وبخت نصّر من المدة ما لا يشكل على عالم بأيام الناس، فإن موسى إنما نُبّئ في أيام منوجهر، وكان ملكه بعد جدّه أفريدون.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
يوشع بن نون عليه السلام
وفتح مدينة الجبارين

لما توفي موسى بعث الله يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل، عليه السلام، نبيّاً الى بني اسرائيل وأمره بالمسير الى أريحا مدينة الجبّارين، واختلف العلماء في فتحها على يد من كان، فقال ابن عبّاس: إنّ موسي وهارون توفيّا في التيه وتوفّي فيه كل من دخله، وقد جاوز العشرين سنة، غير يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، فلما انقضى أربعون سنة أوحى الله الى يوشع بن نون فأمره بالمسير إليها وفتحها، ففتحها؛ ومثله قال قتادة والسّدّيّ وعكرمة.
وقال آخرون: إنّ موسى عاش حتى خرج من التيه وسار الى مدينة الجبّارين وعلى مقدمته يوشع بن نون ففتحها؛ وهو قول ابن اسحاق، قال ابن اسحاق: سار موسى بن عمران الى أرض كنعان لقتال الجبّارين، فقدّم يوشع بن نون وكالب بن يوفنّا، وهو صهره على أخته مريم بنت عمران، فلمّا بلغوها اجتمع الجبّارون الى بلعم بن باعور، وهو من ولد لوط، فقالوا له: ان موسي قد جاء ليقتلنا ويخرجنا من ديارنا فادع الله عليهم، وكان بعلم يعرف اسم الله الأعظم، فقال لهم: كيف أدعو على نبيّ الله والمؤمنين ومعهم الملائكة فراجعوه في ذلك وهو يمتنع عليهم، فأتوا امرأته وأهدوا لها هديّة، فقبلتها، وطلبوا إليها أن تحسّن لزوجها أن يدعو على بني اسرائيل، فقالت له في ذلك، فامتنع، فلم تزل به حتى قال: أستخير الله، فاستخار الله تعالى، فنهاه في المنام، فأخبرها بذلك، فقالت: راجع ربّك، فعاود الاستخارة فلم يرد إليه جواب، فقالت: لو أراد ربّك لنهاك، ولم تزل تخدعه حتى أجابهم، فركب حماراً له متوجّهاً إلى جبل مشرف على بني إسرائيل ليقف عليه ويدعو عليهم، فما سار عليه إلاّ قليلاً حتى ربض الحمار، فنزل عنه وضربه حتى قام فركبه فسار به قليلاً فبرك، فعل ذلك ثلاث مرّات، فلمّا اشتدّ ضربه في الثالثة أنطقه الله فقال له: ويحك يا بلعم أين تذهب ، أما ترى الملائكة ترى تردّني ، فلم يرجع، فأطلق الله الحمار حينئذ، فسار عليه حتى أشرف على بني اسرائيل، فكان كلّما أراد أن يدعو عليهم ينصرف لسانه الى الدعاء لهم، وإذا أراد أن يدعو لقومه انقلب دعاؤه عليهم، فقالوا له في ذلك، فقال: هذا شيء غلبنا الله عليه، واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال: الآن قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبقَ غير المكر والحيلة، وأمرهم أن يزيّنوا نساءهم ويعطوهنّ السلع للبيع ويرسلوهنّ إلى العسكر ولا تمنع امرأة نفسها ممن يريدها، وقال: إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم، ففعلوا ذلك، ودخل النساء عسكر بني اسرائيل، فأخذ زمرى بن شلوم، وهو رأس سبط شمعون بن يعقوب، امرأة وأتى بها موسى فقال له: أظنك تقول هذا حرام فوالله لا نطيعك، ثمّ أدخلها خيمته فوقع عليها، فأنزل الله عليهم الطاعون، وكان فنحاص بن العزار بن هارون صاحب أمر عمّه موسى غائباً، فلما جاء رأى الطاعون قد استقر في بني اسرائيل، وأُخبر الخبر، وكان ذا قوّة وبطش، فقصد زمرى فرآه وهو مضاجع المرأة، فطعنهما بحربة في يده فقتلهما، ورفع الطاعون، وقد هلك في تلك الساعة عشرون ألفاً، وقيل: سبعون ألفاً، فأنزل الله في بلعم: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين).
ثم إن موسى قدّم يوشع الي أريحا في بني اسرائيل فدخلها وقتل بها الجبارين، وبقيت منهم بقيّة، وقد قاربت الشمس الغروب، فخشي أن يدركهم الليل فيعجزوه، فدعا الله تعالى أن يحبس عليهم الشمس، ففعل وحبسها حتى استأصلهم، ودخلها موسى فأقام بها ما شاء الله أن يقيم، وقبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلق.
وأما من زعم أن موسى كان قد توفّي قبل ذلك فقال: إنّ الله أمر يوشع بالمسير الى مدينة الجبارين، فسار ببني اسرائيل، ففارقه رجل يقال له بلعم بن باعور، وكان يعرف الاسم الأعظم، وساق من حديثه نحو ما تقدّم، فلمّا ظفر يوشع بالجبارين أدركه المساء ليلة السبت فدعا الله فردّ الشمس عليه وزاد في النهار ساعة فهزم الجبارين ودخل مدينتهم وجمع غنائمهم ليأخذها القربان، فلم تأتِ النّار، فقال يوشع: فيكم غلول فبايعوني، فبايعوه، فلصقت يده في يد من غلّ، فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالياقوت فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلتهما.
وقيل: بل حصرها ستّة أشهر، فلما كان السابع تقدّموا الى المدينة وصاحوا صيحة واحدة فسقط السور، فدخلوهاوهزموا الجبارين وقتلوا فيهم فأكثروا، ثمّ اجتمع جماعة من ملوك الشام وقصدوا يوشع فقاتلهم وهزمهم وهرب الملوك الى غار، فأمر بهم يوشع بن نون فقتلوا وصلبوا، ثمّ ملك الشام جميعه فصار لبني اسرائيل وفرّق عمّاله فيه، ثمّ توفّاه الله فاستخلف على بني اسرائيل كالب بن يوفنّا، وكان عمر يوشع مائة وستّاً وعشرين سنة، وكان قيامه بالأمر بعد موسى سبعاً وعشرين سنة.
وأما من بقي من الجبارين فإن إفريقش بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان مإل بهم متوجهاً الى افريقية فاحتملهم من سواحل الشام فقدم بهم افريقية فافتتحها وقتل ملكها جرجير وأسكنهم إياها، فهم البرابرة، وأقام من حمير في البربر صنهاجة وكتامة، فهم فيهم إلى اليوم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
قصة قارون ونبوة حزقيل

قصة قارون
وكان قارون بن يصهر بن قاهث، وهو ابن عمّ موسى بن عمران بن قاهث، وقيل: كان عمّ موسى؛ والأوّل أصحّ، وكان عظيم المال كثير الكنوز، قيل: إن مفاتيح خزائنه كانت تحمل على أربعين بغلاً، فبغى على قومه بكثرة ماله، فوعظوه ونهوه وقالوا له ما قصّ الله تعالى في كتابه: (لا تفرح إن الله لايحبّ الفرحين، وابتغ فيما آتالك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) القصص 76 - 77؛ فأجابهم جواب مغترّ لحلم الله عنه فقال: إنما أوتيته، يعني المال والخزائن، على علم عندي، قيل على خبر ومعرفة مني، وقيل: لولا رضى الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا، فلم يرجع عن غيّه ولكنّه تمادى في طغيانه حتى (خرج على قومه في زينته) القصص: 79، وهي أنه ركب برذوناً أبيض بمراكب الأرجوان المذهبّة وعليه الثياب المعصفرة وقد حمل معه ثلاثمائة جارية على مثل برذونه وأربعة آلاف من أصحابه، وبنى داره وضرب عليها صفائح الذهب وعمل لهاباباً من ذهب، فتمنى أهل الغفلة والجهل مثل ماله، فنهاهم أهل العلم بالله.
وأمره الله تعالى بالزكاة، فجاء إي موسى من كلّ ألف دينار دينار، وعلى هذا من كلّ ألف شيء شيء، فلمّا عاد الى بيته وجده كثيراً، فجمع نفراً يثق بهم من بني اسرائيل فقال: إنّ موسى أمركم بكلّ شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا وسيّدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تحضروا فلانة البغيّ فتجعلوا لها جُعلاً فتقذفه بنفسها، ففعلوا ذلك، فأجابتهم إليه.
ثمّ أتى موسى فقال: إنّ قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم فقال: من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، وإن كان له امرأة رجمناه حتى يموت فقال له قارون: وإن كنت أنت ، فقال: نعم، قال: فإنّ بني اسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت.
فلما جاءت قال لها موسى: أقسمت عليك بالذي أنزل التوراة إلا صدقت: أنا فعلتُ بك ما يقول هؤلاء ، قالت: لا، كذبوا، ولكن جعلوا لي جعلاً على أن أقذفك، فسجد ودعا عليهم، فأوحى الله إليه: مُرِ الأرض بما شئت تطعك، فقال: يا أرض خذيهم.
وقيل: إنّ هذا الأمر بلغ موسى، فدعا الله تعالى عليه، فأوحى الله إليه: مُر الأرض بما شئت تطعك، فجاء موسى الى قارون، فلما دخل عليه عرف الشر في وجهه فقال له: يا موسى ارحمني، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فاضطربت داره وساخت بقارون وأصحابه إلى الكعبين، وجعل يقول: يا موسي ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم الى ركبهم، فلم يزل يستعطفه وهو يقول: يا أرض خذيهم، حتى خسف بهم ، فلما أنزل الله نقمته حمد المؤمنون الله، وعرف الذين تمنّوا مكانه بالأمس خطأ أنفسهم واستغفروا وتابوا.
بني إسرائيل في عهد زوّ وكيقباذ ونبوة حزقيل
لما توفي يوشع بن نون قام بأمر بني اسرائيل بعده كالب بن يوفنّا، ثمّ حزقيل بن نورى، وهو الذي يقال له ابن العجوز، وإنما قيل له ذلك لأنّ أمّه سألت الله الولد وقد كبرت، فوهبه الله لها، وهو الذي دعا للقوم الموتى فأحياهم الله.
وكان سبب ذلك: أنّ قرية يقال لها راوردارة، وقع بها الطاعون، فهرب عامّة أهلها ونزلوا ناحية، فهلك أكثر من بقي بالقرية وسلم الآخرون، فلمّا ارتفع الطاعون رجعوا، فقال الذين بقوا: أصحابنا هولاء كانوا أحزم منّا ولو صنعنا كما صنعوا بقينا، فوقع الطاعون من قابل، فهرب عامّة أهلها، وهم بضعة وثلاثون ألفاً، وقيل: ثلاثة آلاف، وقيل: أربعة آلاف، وقيل غير ذلك، حتي نزلوا ذلك المكان، فصاح بهم ملك فماتوا ونخرت عظامهم، فمرّ بهم حزقيل فلمّا رآهم جعل يتفكر في بعثهم، فأوحى الله إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم ، قال: نعم، فقيل: ناد، فنادى: يا أيتها العظام البالية إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام تطير بعضها الى بعض حتى صارت أجساداً من عظام، ثم نادى: يا أيتها العظام إن الله أمرك أن تكتسي فألبست لحماً ودماً وثيابها التي ماتت فيها، ثم نادى: يا أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن تعودي إلى أجسادك فعادت، وقامت الأجساد أحياء؛ وقالوا: حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ، فرجعوا إلى قومهم أحياء يعرفون انهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الا عاد كفنا دسما ثم ماتوا ثم مات حزقيل ولم تذكر مدته في بني اسرائيل، وقيل: كانوا قوم حزقيل فلما أن ماتوا بكى حزقيل وقال يا رب كنت في قوم يعبدونك ويذكرونك فبقيت وحيدا فقال الله أتحب أن أحييهم قال: نعم قال: فإني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: أحيوا بإذن الله تعالى فعاشوا.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
قصة الياس واليسع عليهما السلام

قصة الياس عليه السلام
لما توفي حزقيل كثرت الأحداث في بني إسرائيل، وتركوا عهد الله وعبدوا الأوثان فبعث اللهم اليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العزار بن هرون بن عمران نبياً، وكان الأنبياء في بني إسرائيل بعد موسى بن عمران يبعثون بتجديد ما نسوا من التوراة، وكان الياس مع ملك من ملوكهم يقال له أخاب وكان يسمع منه ويصدقه وكان الياس يقيم له أمره، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه يقال له: بعل، فجعل الياس يدعوهم إلى الله وهم لا يسمعون إلا من ذلك الملك، وكان ملوك بني إسرائيل متفرقة كل ملك قد تغلب على ناحية يأكلها، فقال ذلك الملك الذي كان الياس معه والله ما أرى الذي تدعو إليه إلا باطلاً لأني فلانا وفلانا يعد ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان، فلم يضرهم ذلك شيئاً يأكلون ويشربون ويتمتعون ما ينقص ذلك من ديارهم وما نري لنا عليهم من فضل ففارقه الياس وهو يسترجع، فعبد ذلك الملك الأوثان أيضاً.
وكان للملك جار صالح مؤمن يكتم إيمانه، وله بستان إلى جانب دار الملك، والملك يحسن جواره، وللمك زوجة عظيمة الشر والكفر، فقالت له ليأخذ بستان الرجل فلم يفعل ، فكانت تخلف زوجها إذا سار عن بلده وتظهر للناس، فغاب مرة فوضعت إمرأته على صاحب البستان من شهد عليه أنه سب الملك، فقتلته، وأخذت بستانه، فلما عاد الملك غضب من ذلك واستعظمه وأنكره، فقالت: فات أمره فأوحى الله إلى الياس يأمره أن يقول للملك وامرأته أن يرد البستان على ورثة صاحبه فإن لم يفعلا غضب عليهما وأهلكهما في البستان ولم يتمتعا به إلا قليلا، فأخبرهما الياس بذلك فلم يرجعا الحق . فلما رأى الياس أن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر والظلم دعا عليهم، فأمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، فهلكت الماشية والطيور والهوامّ والشجر وجهد الناس جهداً شديداً واستخفى الياس خوفاً من بني إسرائيل، فكان يأتيه رزقه، ثم أنه أوى ليلة إلى أمرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب ، به ضر شديد فدعا له فعوفى من الضر الذي كان به واتبع الياس، وكان معه وصحبه وصدقه، وكان الياس قد كبر، فأوحى الله إليه إنك قد أهلكت كثيراً من الخلق من البهائم والدواب والطير وغيرها، ولم يعص سوى بني إسرائيل، فقال الياس: أي رب: دعني أكن أنا الذي أدعو لهم وأبتهج بالفرج لعلهم يرجعون، فجاء الياس إليهم، وقال لهم: انكم قد هلكتم وهلكت الدواب بخطاياكم، فإن أحببتم أن تعلموا أن الله ساخط عليكم بفعلكم، وأن الذي أدعوكم إليه هو الحق، فاخرجوا باصنامكم وادعوها، فان استجابت لكم فذلك الحق كما تقولون، وان هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوت الله ففرّج عنكم، قالوا أنصفت فخرجوا بأصنامهم فدعوها فلم يستجب لهم ولم يفرح عنهم، فقالوا: لالياس انا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم بالفرج وان يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس وعظمت وهم ينظرون، ثم أرسل الله منها المطر فحييت بلادهم، وفرج الله عنهم ما كانوا فيه من البلاء فلم ينزعوا ولم يراجعوا الحق، فلما رأى ذلك الياس سأل الله أن يقبضه فيريحه منهم ، وسلط الله على الملك وقومه عدواً فظفر بهم وقتل الملك وزوجته بذلك البستان وألقاهما فيه حتى بليت لحومهما.
نبوّة اليسع عليه السلام وأخذ التابوت من بني إسرائيل
فلمّا انقطع إلياس عن بني اسرائيل بعث الله أليسع، فكان فيهم ما شاء اللّه، ثمّ قبضه الله وعظمت فيهم الاحداث وعندهم التابوت يتوارثونه فيه السكينة وبقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة، فكانوا لا يلقاهم عدوّ فيقدّمون التابوت إلاّ هزم الله العدوّ، وكانت السكينة شبه رأس هر، فإذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح، ثمّ خلف فيها ملك يقال له إيلاف، وكان الله يمنعهم ويحميهم، فلمّا عظمت أحداثهم نزل بهم عدوّ فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت، فاقتتلوا فغلبهم عدوّهم على التابوت واخذه منهم وانهزموا، فلمّا علم ملكهم أن التابوت أخذ مات كَمَداً، ودخل العدوّ أرضهم ونهب وسبى وعاد، فمكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف، وكانوا يتمادون أحياناً في غيّهم فيسلّط الله عليهم من ينتقم منهم، فإذا راجعوا التوبة كفّ الله عنهم شرّ عدوهم، فكان هذا حالهم من لَدُن توفي يوشع بن نون إلى أن بعث الله اشمويل وملكهم طالوت وردّ عليهم التابوت.
وكانت مدّة ما بين وفاة يوشع، الذي كان يلي أمر بني إسرائيل بعضها القضاة وبعضها الملوك وبعضها المتغلّبون الى أن ثبت الملك فيهم ورجعت النبوّة إلى اشمويل، أربعمائة سنة وستّين سنة. فكان أوّل من سُلّط عليهم رجل من نسل لوط يقال له كوشان فقهرهم وأذلّهم ثماني سنين، ثمّ أنقذهم من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل، فقام بأمرهم أربعين سنة. ثمّ سُلّط عليهم ملك يقال له عجلون فملكهم ثماني عشرة سنة، ثم استنقذهم منه رجل من سبط بنيامين يقال له أهوذ، وقام بامرهم ثمانين سنة. ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيّين يقال له يابين، فملكهم عشرين سنة، واستنقذهم منه امرأة من بين أنبيائهم يقال لها دبورا، ودبّر الأمر رجل من قبلها يقال له باراق أربعين سنة. ثمّ سُلّط عليهم قوم من نسل لوط فملكوهم سبع سنين، واستنقذهم رجل يقال له جدعون إبن يواش من ولد نفتالي بن يعقوب، فدبّر أمرهم أربعين سنة وتوفيّ، ودبّر أمرهم بعده ابنه ابيمالخ ثلاث سنين، ثمّ دبّرهم بعده فولع بن فوّا ابن خال ابيمالخ، ويقال إنّه ابن عمّه، ثلاثاً وعشرين سنة، ثمّ دبّر أمرهم بعده رجل يقال له يائير اثنتين وعشرين سنة.
ثمّ ملكهم قوم من أهل فلسطين بني عمون ثماني عشرة سنة، ثمّ قام بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين، ثم دبّرهم بعده يبحسون سبع سنين، ثمّ بعده آلون عشر سنين، ثم بعده لترون، ويسميه بعضهم عكرون، ثماني سنين، ثم قهرهم أهل فلسطين وملكوهم أربعين سنة، ثمّ وليهم شمسون عشرين سنة، ثمّ بقوا بعده عشر سنين بغير مدبّر ولا رئيس، ثمّ قام بأمرهم بعد ذلك عالي الكاهن، وفي أيامه غلب أهل فلسطين على التابوت في قول، فلمّا مضى من وقت قيامه أربعون سنة بعث اشمويل نبياً فدبرهم عشر سنين، ثمّ سألوا اشمويل أن يبعث لهم ملكاً يقاتل بهم أعداءهم.


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
اشمويل وطالوت

كان من خبر اشمويل بن بالي أن بني إسرائيل لما طال عليهم البلاء، وطمع فيهم الأعداء، وأخذ التابوت منهم، فصاروا بعده لا يلقون ملكاً إلا خائفين، فقصدهم جالوت ملك الكنعانيين، وكان ملكه ما بين مصر وفلسطين، فظفر بهم، فضرب عليهم الجزية، وأخذ منهم التوراة، فدعوا الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه، وكان سبط النبوّة هلكوا، فلم يبق منهم غير امرأة حبلى، فحبسوها في بيت خيفة أن تلد جارية فتبدّلها بغلام لما ترى من رغبة بني اسرائيل في ولدها، فولدت غلاماً سمّته اشمويل، ومعناه: سمع الله دعائي.
وسبب هذه التسمية أنها كانت عاقراً، وكان لزوجها امرأة أخرى قد ولدت له عشرة أولاد فبغت عليها بكثرة الاولاد، فانكسرت العجوز ودعت الله أن يرزقها ولداً، فرحم الله انكسارها وحاضت لوقتها وقرب منها زوجها، فحملت، فلما انقضت مدة الحمل ولدت غلاماً فسمّته اشمويل، فلما كبر أسلمته في بيت المقدس يتعلم التوراة، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه.
فلمّا بلغ أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل وهو يصلي فناداه بصوت يشبه صوت الشيخ، فجاء إليه، فقال: ما تريد، فكره أن يقول لم أدعك فيفزع، فقال: ارجع فنم، فرجع، فعاد جبريل لمثلها، فجاء إلى الشيخ، فقال له: يا بنيّ عُدْ فإذا دعوتك فلا تجبني، فلمّا كانت الثالثة ظهر له جبريل وأمره بإنذار قومه وأعلمه أن الله بعثه رسولاً، فدعاهم، فكذبوه، ثم أطاعوه، وأقام يدبّر أمرهم عشر سنين، وقيل: أربعين سنة.
وكان العمالقة مع ملكهم جالوت قد عظمت نكايتهم في بني اسرائيل حتى كادوا يُهلكونهم، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك قالوا: (ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) البقرة:246.
فدعا الله فأرسل إليه عصاً وقرناً فيه دهن، وقيل له: إنّ صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، وإذا دخل عليك رجل فنشّ الدّهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه به وملّكه عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها، وكان طالوت دبّاغاً، وقيل: كان سقّاء يسقي الماء ويبيعه، فضلّ حماره فانطلق يطلبه، فلمّا اجتاز بالمكان الذي فيه اشمويل دخل يسأله أن يدعو له ليردّ الله حماره، فلما دخل نشّ الدهن، فقاسوه بالعصا فكان مثلها، عند ذلك (قال لهم نبيهم إن الله قد بعثه لكم طالوت ملكاً) البقرة:247، وهو بالسريانية شاول بن قيس بن أنمار بن ضرار بن يحرف ابن يفتح بن ايش بن بنيامين بن يعقوب بن اسحاق، فقالوا له: ما كنت قط أكذب منك الساعة ونحن من سبط المملكة ولم يؤت طالوت سعة من المال فنتبعه.
فقال اشمويل: (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم) البقرة:247، فقالوا: إن كنت صادقاً فأتِ بآية، فقال: (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) البقرة:248، والسكينة رأس هرّ، وقيل طشت من ذهب يغسل فيها قلوب الأنبياء، وقيل غير ذلك، وفيه الألواح وهي من درّ وياقوت وزبرجد، وأما البقية فهي عصا موسى ورضاضة الألواح، فحملته الملائكة وأتت به إلى طالوت نهاراً بين السماء والأرض والناس ينظرون، فأخرجه طالوت إليهم، فأقروا بملكه ساخطين وخرجوا معه كارهين، وهم ثمانون ألفاً، فلمّا خرجوا قال لهم طالوت: (إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني) البقرة:249، وهو نهر فلسطين، وقيل: الأردن، فشربوا منه إلا قليلاً، وهم أربعة آلاف، فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي، (فلمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه) لقيهم جالوت، وكان ذا بأس شديد، فلما رأوه رجع أكثرهم (قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)، ولم يبق معه غير ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر، فلمّا رجع من رجع قالوا: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين) البقرة:249.
وكان فيهم إيشى أبو داود ومعه من أولاده ثلاثة عشر ابناً، وكان داود أصغر بنيه، وقد خلفه يرعى لهم ويحمل لهم الطعام، وكان قد قال لأبيه ذات يوم: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلاّ صرعته، ثم قال له: لقد دخلتُ بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبتُ عليه وأخذت بأذنيه فلم أخفه، ثمّ أتاه يوماً آخر فقال: إني لأمشي بين الجبال فأسبح فلا يبقى جبل إلا سبّح معي، قال له: أبشر فإنّ هذا خير أعطاكه الله.
فأرسل الله إلى النبيّ الذي مع طالوت قرناً فيه دهن وتنّور من حديد، فبعث به إلى طالوت وقال له: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا الذهن على رأسه فيغلي حتى يسيل من القرن، ولا يجاوز رأسه إلى وجهه ويبقي على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنّور فيملأه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجرّبهم، فلم يوافقه منهم أحد، فأحضر داود من رعيه، فمرّ في طريقه بثلاثة أحجار، فكلّمته وقلن: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت، فأخذهن فجعلهنّ في مخلاته، وكان طالوت قد قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في مملكتي.
فلمّا جاء داود وضعوا القرن على رأسه، فغلى حتى ادّهن منه ولبس التنّور فملأه، وكان داود مسقاماً أزرق مصفاراً، فلمّا دخل في التنور تضايق عليه حتى ملأه، وفرح اشمويل وطالوت وبنو إسرائيل بذلك وتقدّموا إلى جالوت وتصافّوا للقتال، وخرج داود نحو جالوت وأخذ الأحجار ووضعها في قذافته ورمى بها جالوت، فوقع الحجر بين عينيه فنقب رأسه فقتله، ولم يزل الحجر يقتل كلّ من أصابه ينفذ منه إلى غيره، فانهزم عسكر جالوت بإذن الله ورجع طالوت فأنكح ابنته داود وأجرى خاتمه في ملكه، فمال النّاس إلى داود وأحبّوه.
فحسده طالوت وأراد قتله غِيلةً، فعلم ذلك داود ففارقه وجعل في مضجعه زقّ خمر وسجّاه، ودخل طالوت إلى منام داود، وقد هرب داود، فضرب الزقّ ضربة خرقه، فوقعت قطرة من الخمر في فيه، فقال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه الخمر فلما أصبح طالوت علم أنه لم يصنع شيئاً، فخاف داود أن يغتاله فشدّد حجابه وحرّاسه.
ثمّ إنّ داود أتاه من المقابلة في بيته وهو نائم فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فقال: يرحم الله داود هو خير مني، ظفرتُ به وأردتُ قتله وظفر بي فكف عني، وأذكى عليه العيون فلم يظفروا به.
وركب طالوت يوماً فرأى داود فركض في أثره، فهرب داود منه واختفى في غار في الجبل، فعمّى الله أثره على طالوت، ثمّ إن طالوت قتل العلماء حتى لم يبق أحد إلا امرأة كانت تعرف اسم الله الأعظم فسلمها إلى رجل يقتلها، فرحمها وتركها وأخفى أمرها.
ثم إنّ طالوت ندم وأراد التوبة وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، فكان كلّ ليلة يخرج الى القبور فيبكي ويقول: أنشد الله عبداً علم لي توبة إلا أخبرني بها، فلما أكثر ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما رضيت قتلتنا أحياء حتى تؤذينا أمواتاً فازداد بكاء وحزناً، فرحمه الرجل الذي أمره بقتل تلك المرأة فقال له: إن دللتك علي عالم لعلك تقتله قال: لا، فأخذ عليه العهود والمواثيق ثمّ أخبره بتلك المرأة فقال: سلها هل لي من توبة ، فحضر عندها وسألها هل له من توبة ، فقالت: ما أعلم له من توبة، ولكن هل تعلمون قبر نبيّ ، قالوا: نعم، قبر يوشع بن نون، فانطلقت وهم معها فدعت، فخرج يوشع، فلمّا رآهم قال: مالكم ، قالوا: جئنا نسألك هل لطالوت من توبة ، قال: ما أعلم له توبة إلا أن يتخلى من ملكه ويخرج هو وولده فيقاتلوا في سبيل الله حتى تقتل أولاده ثمّ يقاتل هو حتي يقتل، فعسى أن يكون له توبة، ثم سقط ميتاً، ورجع طالوت أحزن مما كان يخاف أن لا يتابعه ولده، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه، فسأله بنوه عن حاله، فأخبرهم، فتجهزوا للغزو فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا، ثم قاتل هو بعدهم حتى قتل.
وقيل: إن النبيّ الذي بعث لطالوت حتى أخبره بتوبته أليسع، وقيل: اشمويل، والله أعلم.
وكانت مدّة ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة.

مقتبس: من كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير