بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ مكة المكرمة
السدانة والرفادة والسقاية واللواء

أما السدانة
فلم تزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده طلحة من بعده حتى كان فتح مكة فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أيديهم، وفتح الكعبة ودخلها ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة مشتملاً على المفتاح، فقال له العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أعطنا الحجابة مع السقاية فأنزل الله عز وجل: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ). قال عمر بن الخطاب: فما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تلك الساعة فتلاها ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال: " غيبوه " ثم قال: " خذوها يا بني طلحة بأمانة الله سبحانه فاعملوا بالمعروف خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم "، فخرج عثمان بن أبي طلحة، إلى هجرته مع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان حتى قدم ولد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وولده شافع بن طلحة بن أبي طلحة من المدينة وكانوا بها دهراً طويلاً فلما قدموا حجبوا بني عمهم فولد أبي طلحة جميعاً يحجبون.
ويروى عن عثمان بن أبي طلحة أنه قال: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يريد أن يدخل مع الناس فتكلمت بشيء فحلم عني ثم قال: " يا عثمان لعلك سترى المفتاح يوماً سهماً ضعه حيث شئت " فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت. فقال: " بل عزت ". ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعاً ظننت أن الأمر سيصر إلى ما قال . فأردت الإسلام فأخافوني بزبر ديني زبراً شديداً ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الغصبة غير الله قلبي ودخله الإسلام، ولم يقدر لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة ثم قدر لي الخروج إليه فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص فاصطحبنا فقدمنا المدينة، فبايعته وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح فلما دخل مكة قال: " يا عثمان ائت بالمفتاح ". فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه إليّ فقال: " خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم ". وفي ذلك أنزل الله: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ). وفي الصحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين إلا سقاية الحاج وسدانة البيت ".
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما فتح الكعبة أخذ من بني شيبة مفتاح الكعبة حتى أشفقوا أن ينزعه منهم ثم قال: " يا بني شيبة هاكم المفتاح وكلوا بالمعروف ". رواه سعيد بن منصور. وقال العلماء: إن هذه ولاية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد أن ينزعها منهم.
قال المحب الطبري: لا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا الأدب في خدمته، أما إذا لم يحفظوا حرمته فلا يبعد أن يجعل عليهم ومعهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته، قال: وربما تعلق الجاهل المعكوس الفهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "كلوا بالمعروف" فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك وأنه من أشنع البدع وأقبح الفواحش، قال: وهذه اللفظة وإن صحت فيستدل بها على إقامة الحرمة؛ لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف وإنما الإشارة والله أعلم إلى أن ما يتصدق به من البر والصلة على وجه التبرر فلهم أخذه وذلك أكل بالمعروف لا محالة، وإلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته والقيام بمصالحه فلا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه. والله أعلم.
وأما اللواء: فكان في أيدي بني عبد الدار كلهم يليه منهم ذوا السن والشرف في الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم.

وأما الرفادة
فخرج كانت قريش تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي يصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد، وكان قصي ينحر على كل طريق من طرق مكة جزوراً وينحر بمكة جزراً كثيرة ويطعم الناس، وكان يحمل راجل الحاج ويكسو عاريهم، فلما هلك قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته على ما كان عليه في حياته ولم تزل لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتى توفي فولي بعده هاشم بن عبد مناف فكان يطعم الناس في كل موسم مما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشتري بما يجتمع عنده دقيقاً ويأخذ من كل ذبيحة من بدنة وبقرة أو شاة فخذها فيجمع ذلك كله ثم يخرد به الدقيق ويطعمه الحاج، فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس في سنة جدب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقاً وكعكاً فقدم به مكة في الموسم فهشم ذلك الكعك ونحر الجزور وطبخها وجعله ثريداً وأطعم الناس، وكانوا في مجاعة شديدة حتى أشبعهم، فسمي بذلك هاشماً وكان اسمه عمراً، فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفي، فكان عبد المطلب يفعل ذلك فلما توفي عبد المطلب قام بذلك أبو طالب في كل موسم حتى جاء الإسلام وهو على ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبي بكر رضي الله عنه حين حج أبو بكر بالناس سنة تسع ثم عمل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ثم أقامه أبو بكر رضي الله عنه في خلافته ثم عمر في خلافته ثم الخلفاء، وهلم جرا. قال الأزرقي: وهو طعام الموسم الذي يطعمه الخلفاء اليوم في أيام النحر بمنى حتى تنقضي أيام الموسم، وكان معاوية رضي الله عنه اشترى داراً بمكة وسماها دار المراحل وجعل فيها قدوراً وكانت الجزور والغنم تذبح وتطبخ فيها وتطعم الحاج أيام الموسم، ثم يفعل ذلك في شهر رمضان. ويروى أن أول من أطعم الحاج "الفالوزج" بمكة عبد الله بن جدعان. قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن جدعان على كسرى فأكل عنده الفالوزج فسأل عنه فقالوا: لباب البر يلت مع العسل. فقال: أبيعوني غلاماً يصنعه. فأتوه بغلام فابتعاه فقدم به مكة فأمره فصنعه للحاج، ووضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوزج فليحضر ، فحضر الناس، وأنه ما زال طعام في الجاهلية. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن جدعان كان يطعم الناس ويقري الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة ، فقال: " لا إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ". وابن جدعان هو ابن عم عائشة رضي الله عنها.
وفي غريب الحديث لابن قتيبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان في الهاجرة ". قال ابن قتيبة: كانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبي فمات.
قال السهيلي: وكان ابن جدعان في بدء أمره صعلوكاً ترب اليدين، وكان مع ذلك شريراً فاتكاً لا يزال يجني الجنايات فتغفل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف أن لا يؤويه أبداً لما أثقله به من الغرم وحمله من الديات، فخرج في شعاب مكة حائراً ثائراً يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقاً في جبل فظن فيه حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح فلم ير شيئاً فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان يتقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان فأفرج به فانساب عنه مستديراً بدارة عندها بيت فخطى خطوة أخرى فصفر به الثعبان وأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقع في نفسه أنه مصنوع من ذهب ومسكه بيده فإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت فإذا جثث على سرر طوال لم ير مثلهم طولاً وعظماً وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم وآخرهم موتاً الحارث بن مضاض، وإذا عليهم ثياب لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمن وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ ثم علم على الشق علامة وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلهم فسادهم، وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل بالمعروف وصار هذا الكنز معروفاً بكنز ابن جدعان وهو ممن حرم الخمر في الجاهلية بعد أن كان مغرى بها وذلك أنه سكر فتناول القمر ليأخذه فأخبر بذلك حين صحا فحلف لا يشربها أبداً، ولما كبر وهرم أراد بنو تميم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه في العطاء فكان يدعوه الرجل فإذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم قال له: قم فأنشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطاه بنو تميم من مال ابن جدعان حتى يرضى. انتهى كلام السهيلي.

وأما السقاية
فلم تزل بيد عبد مناف فكان يسقي الناس الماء من بئر خم على الإبل في المزاود والقرب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من آدم بفناء الكعبة فيرده الحاج حتى يتفرقوا فكان يستعذب ذلك الماء. قال السهيلي: ذكروا أن قصياً كان يسقى الحجيج في حياض من آدم، وكان ينقل الماء إليها من آبار خارجة من مكة منها "بئر ميمون الحضرمي"، وكان ينبذ لهم الزبيب، ثم احتفر لهم قصي "العجول" في دار أم هانئ بنت أبي طالب بالحزورة وهي أول سقاية احتفرت بمكة، وكانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيستقون منها ويتزاحمون عليها، وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت آباراً، وحفر قصيّ أيضاً بئراً عند الردم الأعلى ثم حفر هاشم بن عبد مناف بئراً وقال حين حفرها: لأجعلنها للناس بلاغاً. وحفرها قصي أيضاً سجلة، وقيل: بل حفرها هاشم وهي البئر التي يقال لها: بئر جبير بن مطعم فكانت سجلة لهاشم بن عبد مناف فلم تزل لولده حتى وهبها أسد بن هاشم لمطعم بن عدي حين حفر عبد المطلب زمزم واستغنوا عنها، ويقال: وهبها له عبد المطلب حين حفر زمزم واستغنى عنها، وسأله المطعم بن عدي أن يضع حوضاً من أدم إلى جنب زمزم السفلى؛ ليسقى فيه من ماء بئره فأذن له في ذلك فكان يفعل، فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقي الحاج حتى توفي فقام بأمر السقاية من بعده عبد المطلب بن هاشم فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم فأغنت عن آبار مكة فكان منها مشرب الحاج، قال: وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة إذا كان يوم الموسم جمعها ثم سقى لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج؛ ليكسر غلظ ماء زمزم وكانت إذ ذاك غليظة جداً، وكان الناس إذ ذاك لهم في بيوتهم أسقفة فيها الماء من هذه الآبار ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر؛ لتكسر عنهم ماء آبار مكة، وكان الماء العذب بمكة عزيزاً لا يوجد إلا لإنسان يستعذب له من بئر ميمون خارج مكة، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فلم تزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف وكان يحمل زبيبه إليها وكان يداين أهل الطائف ويقتضي منهم الزبيب فينبذ ذلك كله ويسقيه الحاج أيام الموسم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب والحجابة من عثمان بن طلحة، فقال العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فبسط يده وقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمع لي الحجابة والسقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطيكم ما تزرءون فيه ولا تزرءون منه". فقام بين عضادتي باب الكعبة فقال: ألا إن كل دم أو مال أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة، فإني قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانت عليه في الجاهلية. فقبضها العباس فكانت في يده حتى توفي فوليها بعده عبد الله بن عباس فكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب وكان محمد بن الحنيفة رضي الله عنه قد كلم فيها ابن عباس فقال له ابن عباس: ما لك ولها نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام، قد كان أبوك يتكلم فيها فأقمت البينة طلحة بن عبد الله وعامر بن ربيعة وأزهر بن عبد الرحمن بن عوف ومخرومة بن نوفل أن العباس بن عبد المطلب كان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها العباس يوم الفتح دون بني عبد المطلب فعرف ذلك من حضر، فكانت بيد عبد الله بن عباس بتولية النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره لا ينازعه فيها منازع ولا يتكلم فيها متكلم حتى توفي، فكانت في يد على ابن عبد الله بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه وجده رضي الله عنهم يأتيه الزبيب من ماله بالطائف وينبذه حتى توفي، فكانت بيد ولده حتى الآن.
قال الأزرقي: كان لزمزم حوضان: فحوض بينها وبين الركن يشرب منه الماء، وحوض من ورائها للوضوء له سرب يذهب فيه الماء.

وأما القيادة
أي قيادة الجيوش من قاد أي: قود، الواحد قائد فوليها من بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف ثم من بعده أمية بن عبد شمس، ثم حرب بن أمية فقاد الناس يوم عكاظ وغيره، ثم كان سفيان بن حرب يقود قريشاً بعد أبيه حتى كان يوم بدر فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان أبو سفيان في الحرب في العير يقود الناس فلما كان يوم أحد قاد الناس أبو سفيان بن حرب، وقاد الناس، يوم الأحزاب، وكانت آخر وقعة لقريش وحرب حتى جاء الله تعالى بالإسلام وفتح مكة.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء