بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ مكة المكرمة
ولاية خزاعة الكعبة بعد جرهم وأمر مكة

عن أبي صالح قال: لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أموراً عظاماً، ونالوا ما لم يكونوا ينالون، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدي إليها سراً وعلانية، وكلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه ويدفع عنه، وظلموا من دخلها من غير أهلها حتى دخل إساف بنائلة الكعبة ففجر بها، أو قبّلها فمسخا حجرين، فرق أمرهم فمنها وضعوا وتنازعوا أمرهم بينهم واختلفوا وكانوا قبل ذلك من أعز حي في العرب وأكثرهم رجالاً وأموالاً وسلاحاً، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو قام فيهم خطيباً ثم ذكر مقالته لهم التي ذكرناها آنفاً، وما قال له مخدع في الجواب، فعند ذلك عمد مضاض بن عمرو إلى غزالين كانا في الكعبة من ذهب وأسياف قلعية فدفعها في موضع بئر زمزم، وكان ماء زمزم قد نضب وذهب لما أحدثت جرهم في الحرم ما أحدثت حتى عفا مكان البئر ودرس، فقام مضاض بن عمرو وبعض ولده في ليلة مظلمة فحفر في موضع زمزم وأعمق ثم دفن فيها الأسياف والغزالين، فبينما هم على ذلك إذ كان من أهل مأرب ما كان، وذلك ألقت طريفة الكاهنة إلى زوجها عمرو بن عامر، الذي يقال له: مزيقياء بن ماء السماء وهو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس أنها قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه من بلد إلى بلد لا يطئون بلداً إلا غلبوا عليه وقهروا أهله حتى يخرجوا منه، ولذلك حديث طويل مذكور في محله، فلما قاربوا مكة ساروا ومعهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم: سيروا فلن تجتمعوا أنتم ومن خلفتم أبداً ثم قالت لهم: وحق ما أقول ما علمني ما أقول إلا الحكيم المحكم رب جميع الإنس من عرب ومن عجم. قالوا لها: ما شأنك يا طريفة? قالت: خذوا البعير الشدقم فخضبوه بالدم بلون أرض جرهم جيران بيته المحرم، فلما انتهوا إلى مكة وأهلها جرهم قد قهروا الناس وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يقول: إنا قد خرجنا من بلادنا فلم ننزل بلداً إلا فسح أهلها لنا ومن خرجوا عنا فنقيم معهم حتى نرسل روادنا فيرتادوا لنا بلداً تحملنا فأفسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح ونرسل روادنا إلى الشام وإلى المشرق فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيراً، فأبت جرهم ذلك واستكبروا في أنفسهم وقالوا: لا والله ما نحب أن ينزلوا معنا فيضيقوا علنا مراحلنا ومواردنا فارحلوا عنا حيث جئتم فلا حاجة لنا بجواركم، فأرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر أنه لا بد لي من المقام بهذا البلد حولاً حتى ترجع إليّ رسلي التي أرسلت، فإن تركتموني طوعاً نزلت وحمدتكم وآسيتكم في الرعى والماء، وإن أبيتم أقمت على كرهكم ثم لم ترعوا معي إلا فضلاً فإن قاتلتموني قاتلتكم ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء وقتلت الرجال ولم أترك منكم أحداً ينزل الحرم أبداً، فأبت جرهم أن تتركه طوعاً وبعثت لقتاله فاقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزمت جرهم فلم ينفلت منهم إلا الشريد، وكان مضاض بن عمرو قد اعتزل جرهم ولم يعنهم في ذلك وقال: قد كنت أحذركم من هذا ثم رحل هو وولده وأهل بيته حتى نزلوا قنوني وحلى وما حول ذلك وفنيت جرهم أفناهم السيف في تلك الحرب، وشرد بقية جرهم وساروا بهم في البلاد وسلط عليهم الذر والرعاف، وهلك بقيتهم بأضم حتى كان آخرهم موتاً امرأة رئيت تطوف بالبيت بعد خروجهم منها بزمان فعجبوا من طولها وعظم خلقتها حتى قال لها قائل: أجنية أم إنسية ، فقالت: بل إنسية من جرهم، وأنشدت رجزاً في معنى حديثهم، واستكبرت بعيراً من رجلين من جهينة فاحتملاها على البعير إلى أرض خيبر فلما أنزلاها بالمنزل الذي سمت لهما سألاها عن الماء فأشارت لهما إلى موضع الماء فوليا عنها وإذا الذر قد تعلق بها حتى بلغ خاشيمها وهي تنادي بالويل والثبور حتى دخل الذر حلقها وسقطت لوجهها وذهب الجهينيان إلى الماء فاستوطناه، فمن هنالك صار موقع جهينة بالحجاز وقرب المدينة وإنما هم من قضاعة، وقضاعة من ريف العراق وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولاه فأصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه بالحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون وهو مفرّق ما بيننا قالوا: فماذا تأمرين ، قالت: من كان منكم ذا هم بعيد وحمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكان أزد عمان، ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقصر وصبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والمعامير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وعوير وهما من أرض الشام فكان الذي سكنهما آل جفنة من غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأوراق والدم المهراق فليلحق بالعراق فكان الذي سكنها آل خزيمة الأبرس ، حتى جاءهم روادهم، فافترقوا من مكة فرقتين فرقة توجهت إلى عمان وهو أزد عمان، وسار ثعلبة بن عمرو بن عامر نحو الشام فنزلت الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر وهم الأنصار بالمدينة، ومضت غسان فنزلوا الشام، فانحازت خزاعة إلى مكة فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمر بن عامر وهو لحي فولي أمر مكة وحجابة الكعبة، فلما أخررت خزاعة أمر مكة وصاروا أهلها، جاءهم بنو إسماعيل وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة فسألوهم السكنى معهم وحولهم فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث وقد كان أصابه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه، أرسل إلى خزاعة يستأذنهم في الدخول عليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم، ومتّ إليهم برأيه وتوريعه قومه عن القتال وسوء السيرة في الحرم واعتزاله الحرب، فأبت خزاعة أن يقربوهم ونفتهم عن الحرم كله، ولم يتركوهم ينزلون معهم، فقال عمرو بن لحي وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه: من وجد منكم جرهميّاً وقد قارب الحرم فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي من قنوني تريد مكة فخرج في طلبها حتى وجد أثرها قد رحلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد حتى ظهر على أبي قبيس يبصر الإبل في بطن وادي مكة، فأبصر الإبل تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها يخاف إن هبط الوادي أن يقتل فولى منصرفاً إلى أهله وأنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
الأبيات وانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله وهو يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة، وما فارقوا من أمنها وملكها فحزنوا على ذلك حزناً شديداً فبكوا على مكة، وجعلوا يقولون الأشعار في مكة، واختصت خزاعة بحجابة الكعبة وولاية أمر مكة وفيهم بنو إسماعيل عليه السلام بمكة وحولها، لا ينازعهم أحد منهم في شيء من ذلك ولا يطلبونه، فتزوج لحي وهو ربيعة بن حارثة بهبرة بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي ملك جرهم فولدت له عمراً وهو عمرو بن لحي وبلغ بمكة وفي العرب من الشرف ما لا يبلغه عربي قبله ولا بعده في الجاهلية، وهو الذي قسم بين العرب في حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة، وقد كان فقأ عين عشرين فحلاً، وكان الرجل في الجاهلية إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحل إبله، وكان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف الإبل ولحمانه على الثريد وعم في تلك السنة جميع حاج العري بثلاثة أثواب من برود اليمن، وكان قد ذهب شرفه في العرب كل مذهب، وكان قوله فيهم ديناً منيفاً لا يخالف، وهو الذي بحر البحيرة ووصّل الوصيلة وحمى الحام وسيّب السائبة ونصب الأصنام حول الكعبة، وجاء بهبل من هيت من أرض الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة فكانت قريش تستقسم عنده بالأزلام، وهو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، فكان عمرو بن لحي يلي البيت وولده من بعده خمسمائة سنة حتى كان آخرهم "خليل بن حبشية" بن سلول بن كعب بن عمرو فتزوج إليه قصي ابنته حبى ابنة خليل، وكانوا هم حجابه وخزانه والقوام به وولاة الحكم بمكة، وهو عامر لم يجر فيه خراب ولم يبن خزاعة فيه شيئاً بعد جرهم ولم يسرق منه شيء علمناه ولا سمعنا به، وترافدوا على تعظيمه والذب عنه.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء