ولاية بني إسماعيل الكعبة وأمر جرهم

    شاطر

    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 1854
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    ولاية بني إسماعيل الكعبة وأمر جرهم

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الأربعاء 29 أكتوبر 2014 - 12:24


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    تاريخ مكة المكرمة
    ولاية بني إسماعيل الكعبة وأمر جرهم

    ولاية بني إسماعيل الكعبة من بعده وأمر جرهم
    قال ابن إسحاق: ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلاً، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، ثابت بن إسماعيل وقيدار وواصل وميّاش وطيما وقطور وقيس وقيدمان، وكان عمر إسماعيل مائة وثلاثين سنة، فمن ثابت وقيدار نشر الله العرب، وكان أكبرهم قيدار وثابت وكان من حديث جرهم وبني إسماعيل: أن إسماعيل لما توفي دفن في الحجر مع أمه فولى البيت ثابت بن إسماعيل ما شاء الله أن يليه، ثم توفي ثابت بن إسماعيل فولى بعده مضاض بن عمرو الجرهمي وهو جد ثابت بن إسماعيل أبو أمه وضم بني ثابت وبني إسماعيل إليه فصاروا مع جدهم أبي أمهم مضاض بن عمرو ومع أخوالهم من جرهم، وجرهم وقطوراً يومئذ أهل مكة، وعلى جرهم مضاض بن عمرو ملكاً عليهم، وعلى قطورا رجلاً منهم يقال له: السَّميدع ملكاً عليهم، وكان حين ظعنا من اليمن أقبلا سيارة، وكانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجهم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، فلما نزلا مكة رأيا بلداً طيباً وآداماً وشجراً فأعجبهما ونزلا به، فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم أعلى مكة وقيقعان فما حاز ذلك، ونزل السميدع أجيادين وأسفل مكة فما حاز ذلك، وكل في قومه على حياله لا يدخل واحد منهم على صاحبه في ملكه، ثم إن جرهما وقطوراً بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك فاقتتلوا بها حتى نشبت الحرب بينهم على الملك، وولاة الأمر بمكة مع مضاض بن عمرو بنو ثابت بن إسماعيل وبنو إسماعيل وإليه ولاية البيت دون السميدع، فلم يزل البغي حتى سار بعضهم إلى بعض فخرج مضاض بن عمرو من قيقعان في كتيبة سائراً إلى السميدع ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب يقعقع ذلك معهم، ويقال: ما سميت قيقعان إلا بذلك، وخرج السميدع بقطوراً من أجياد معه الخيل والرجال، وقيل: ما سمي أجياداً إلا لخروج الخيل الجياد مع السميدع حتى التقوا بفاضح فاقتتلوا قتالاً شديداً فقتل السميدع وفضحت قطوراً، ويقال: ما سمي فاضحاً إلا بذلك ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح فساروا حتى نزلوا للصالح شعب بأعلى مكة يقال له: شعب عبد الله بن عامر بن كويز، فاصطلحوا بذلك الشعب، وأسلموا الأمر إلى مضاض بن عمرو فلما جمع أمر أهل مكة وصار ملكها له دون السميدع نحر للناس وأطعمهم فطبخ الناس وأكلوا، فيقال: ما سمي المطابخ مطابخاً إلا بذلك، وكان الذي بين عمرو والسميدع أول بغي كان بمكة فيما يزعمون، وقيل: إنما سميت المطابخ؛ لأن تبع نحر بها وأطعم وكانت منزله بمكة، ثم نشر الله تعالى بني إسماعيل عليه السلام بمكة وأخوالهم جرهم إذ ذاك هم الحكام وولاة البيت، فلما ضاقت عليهم مكة وانتشروا بها انبسطوا في الأرض وابتغوا المعاش والتفسح في الأرض، فلا يأتون قوماً، ولا ينزلون بلداً إلا أظهرهم الله عز وجل عليهم بدينهم فوطئوهم وغلبوهم عليها حتى ملئوا البلاد ونفوا عنها العماليق ومن كان ساكناً بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخؤوليتهم وقرابتهم.
    قال بعض أهل العلم:
    كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة الحرم، واستحلوا منه أموراً عظاماً ونالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم يقال له: عموم فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم فقد رأيتم وسمعتم من أهلك من صدر الأمم قبلكم قوم هود وصالح وشعيب، فلا تفعلوا وتواصلوا ولا تستخفوا بحرم الله وموضع بيته، وإياكم والظلم والإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قط فظلك فيه وألحد إلا قطع الله دابرهم واستأصل شأفتهم وبدل أرضها غيرهم حتى لا يبقى لهم باقية، فلم يقبلوا ذلك منه وتمادوا في هلكة أنفسهم، ثم إن جرهماً وقطوراً خرجوا سيارة من اليمن وأجدبت عليهم فساروا بذراريهم وأنفسهم وأموالهم، وقالوا: نطلب مكاناً فيه مرعى تسمن فيه ماشيتنا إن أعجبنا أقمنا فيه وإلا رجعنا إلى بلادنا، فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماء معيناً وعضاة ملتفة من سلم وسمر، ونباتاً أسمن مواشيهم وسعة من البلاد ودفئاً من البرد في الشتاء، قالوا إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأقاموا مع العماليق، وكان لا يخرج من اليمن قوم إلا ولهم ملك يقيم أمرهم، وكان ذلك سنة فيهم ولو كانوا نفراً يسيراً، فكان مضاض بن عمرو ملك جرهم وكان السميدع ملك قطوراً فنزل مضاض بن عمرو على مكة، فكان يعشر من دخلها من أعلاها وكان حوزهم وجه الكعبة والركن الأسود والمقام وموضع زمزم مصعد يميناً وشمالاً وقيقعان إلى أعلى الوادي، ونزل السميدع أسفل مكة وأجيادين وكان يعشر من دخل مكة من أسفلها، وكان حوزهم المسفلة وظهر الكعبة والركن اليماني والغربي وأجيادين فبنيا فيها البيوت واتسعا في المنازل وكثروا على العماليق، فنازعتهم العماليق فمنعتهم جرهم وأخرجوهم من الحرم كله فكانوا في أطرافه لا يدخلونه، فقال لهم صاحبهم عمرو: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتموني? فجعل مضاض والسميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليهما من حولهما فوقهما وكثروا وربلوا وأعجبهم البلاد، وكانوا قوماً عرباً وكان اللسان عربياً، فكان إبراهيم عليه السلام يزور إسماعيل، فلما سمع لسانهم وإعرابهم سمع لهم كلاماً حسناً ورأى قوماً عرباً، وكان إسماعيل قد أخذ بلسانهم، فأمر إسماعيل أن ينكح فيهم فخطب إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة فزوجه إياها، فولدت له عشرة ذكور وهي التي غسلت رأس إبراهيم حين وضع رجله على المقام، وتوفي إسماعيل وترك ولداً من رعلة بنت مضاض بن عمرو فقام مضاض بأمر ولد إسماعيل وكفلهم؛ لأنهم بنو ابنته، فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة ويستفحل حتى ولوا البيت فكانوا ولاته وحجابه وولاة الأحكام بمكة، فجاء سيل فدخل البيت فانهدم فأعادته جرهم على بناء إبراهيم عليه السلام، وكان طوله في السماء تسعة أذرع وقال بعض أهل العلم: كان الذي بنى البيت لجرهم أبو الجدرة فيمس عمرو "الجادر" وسمي بنوه "الجدرة"، ثم إن جرهم استخفت بأمر البيت والحرم وارتكبوا أموراً عظيمة وأحدثوا فيها أحداثاً لم تكن، فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم خطيباً فقال: يا قوم احذروا البغي فإنه لا بقاء لأهله قد رأيتم من كان قبلكم استخفوا بالحرم فلم يعظموه وتنازعوا بينهم واختلفوا، حتى سلطكم الله عليهم فأخرجتموهم فتفرقوا في البلاد فلا تستخفوا بحق الحرم وحرمة البيت، فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل وصغار حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم ولا إلى زيارة البيت، فقال قائل منهم يقال له: مخدع: من الذي يخرجنا منه? ألسنا أعز العرب وأكثرهم رجالاً وأموالاً وسلاحاً? فقال مضاض بن عمرو: إذا جاء الأمر بطل ما تقولون. فلم يقتصروا على شيء مما كانوا يصنعون، وكان للبيت خزانة تبر في بطنها يلقى فيها الحلى والمتاع الذي يعدي له وهو يومئذ لا سقف له، فتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه على كل زاوية من البيت رجل منهم واقتحم الخامس فجعل الله عز وجل أعلاه أسفله وسقط منكساً على ذلك، وقيل: لما دخل البئر سقط عليه حجر من شفير البئر فحبسه فيها، وفر الأربعة. قال آخرون: فعند ذلك مسخت الأركان الأربعة فلما كان من أمر هؤلاء الذين حاولوا سرقة ما في خزانة الكعبة ما كان، بعث الله سبحانه حية سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدي فحرست البيت خمسمائة سنة لا يقربه أحد بشيء من معاصي الله تعالى إلا أهلكه الله ولا يقدر أحد على سرقة ما كان في الكعبة وسيأتي ذكر ذلك عند ذكر قصة رفع الحية عند بناء قريش الكعبة.
    ولما طغت جرهم في الحرم دخل رجل منهم وامرأة يقال لهما إساف ونائلة البيت ففجرا فيه، وقيل: لم يفجر بها في البيت ولكن قبّلها، فمسخهما الله حجرين فأخرجا من الكعبة ونصبا على الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما من رآهما وليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا، فلم يزل أمرهما يدرس ويتقادم حتى صارا صنمين يعبدان حتى كان يوم الفتح فكسرا، وكانت مكة لا يقر فيها ظالم ولا باغ ولا فاجر إلا نفى منها، وكان نزلها بعهد العماليق وجرهم جبابرة، فكل من أراد البيت بسوء أهلكه الله، فكانت تسمى بذلك الباسة وبكة.

    مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 17:54