قصّة أيوب ويوسف وشعيب عليهم السلام

    شاطر

    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 1854
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    قصّة أيوب ويوسف وشعيب عليهم السلام

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الأحد 7 سبتمبر 2014 - 7:14


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    الأنباء فى قصص الأنبياء
    قصّة أيوب وقصّة يوسف وقصّة شعيب
    عليهم السلام

    قصّة أيوب عليه السلام
    أيوب عليه السلام رجل من الروم من ولد عيص، وهو أيّوب بن موص بن رازج بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم، وقيل: موص بن روعيل بن عيص، وكانت زوجته التي أمر أن يضربها بالضغّث ليا ابنة يعقوب بن اسحاق، وقيل: هي رحمة ابنة ابراهيم بن يوسف، وكانت أمه من ولد لوط، وكان دينه التوحيد والإصلاح بين النّاس، وإذا أراد حاجة سجد ثمّ طلبها.
    وكان من حديثه وسبب بلائه أنّ إبليس سمع تجاوب الملائكة بالصلاة على أيّوب حين ذكره الله فحسده وسأل الله أن يسلّطه عليه ليفتنه عن دينه، فسّلطه على ماله فحسب، فجمع إبليس عظماء أصحابه من العفاريت، وكان لأيّوب البثنيّة جميعها من أعمال دمشق بما فيها، وكان له فيها ألف شاة برعاتها وخمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة الفدّان أتان وكلّ أتان ولد واثنان وما فوق ذلك، فلمّا جمعهم إبليس قال: ما عندكم من القوّة والمعرفة فإني قد تسلطت على مال أيوب، فقال كل منهم قولاً، فأرسلهم فأهلكوا ماله كله وأيوب يحمد الله ولا يرجع عن الجدّ في عبادته والشكر له على ما أعطاه والصبر على ما ابتلاه.
    فلما رأى ذلك إبلس من أمره سأل الله أن يسلطه على ولده، فسلّطه عليهم ولم يجعل له سلطاناً على جسده ولا عقله وقلبه، فأهلك ولده كلهم، ثمّ جاء إليه متمثلاً بمعلمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحاً مشدوخاً يرقّقه حتى رق أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فسرّ بذلك إبليس.
    ثمّ إنّ أيّوب ندم لذلك وجدّ واستغفر، فصعد حفظته من الملائكة بتوبته الى الله قبل إبليس، فلما لم يرجع أيوب عن عبادة ربّه والصبر على ما ابتلاه به سأل الله تعالى أن يسلّطه على جسده، فسّلطه عليه خلا لسانه وقلبه وعقله فإنه لم يجعل له على ذلك سلطاناً، فجاءه وهو ساجد فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وصار أمره الى أن انتثر لحمه وامتلأ جسده دوداً، فإن كانت الدودة لتسقط من جسده فيردّها إليه ويقول: كُلي من رزق الله، وأصابه الجُذام، وكان أشدّ من ذلك عليه أنه كان يخرج في جسده مثل ثدي المرأة ثم يتفقّأ، وأنتن حتى لم يطق أحد يشمّ ريحه، فأخرجه أهل القرية منها الى الكُناسة خارج القرية لا يقربه أحد، إلا زوجته، وكانت تختلف إليه بما يصلحه، فبقي مطروحاً على الكناسة سبع سنين ما يسأل الله أن يكشف ما به، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه.
    وقيل: كان سبب بلائه أن أرض الشام أجدبت فأرسل فرعون إلى أيّوب أن هلمّ إلينا فإنّ لك عندنا سعة، فأقبل بأهله وخيله وماشيته، فأقطعهم فرعون القطائع، ثم إنّ شعيباً النبيّ دخل إلى فرعون فقال: يافرعون أما تخاف أن يغضب الله غضبة فيغضب لغضبه أهل السماء وأهل الأرض والبحار والجبال ، وأيوب ساكت لا يتكلم، فلمّا خرجا أوحى الله الى أيوب: " يا أيّوب سكتَّ عن فرعون لذهابك الى أرضه، استعد للبلاء " ، فقال أيوب: أما كنت أكفل اليتيم وآوي الغريب وأشبع الجائع وأكفت الأرملة ، فمرّت سحابة يسمع فيها عشرة آلاف صوت من الصواعق يقولون: من فعل ذلك يا أيوب ، فأخذ تراباً فوضعه على رأسه وقال: أنت ياربّ، فأوحى الله إليه: " استعدّ للبلاء "، قال: فديني ، قال: " أسلّمه لك "، قال: فما أبالي.
    وقيل: كان السبب غير ذلك، وهو نحو مما ذكرنا.
    فلما ابتلاه الله واشتد عليه البلاء قالت له امرأته: إنك رجل مجاب الدعوة فادع الله أن يشفيك، فقال: كنّا في النعماء سبعين سنة فلنصبر في البلاء سبعين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، وقيل: إنما أقسم ليجلدها لأن إبليس ظهر لها وقال: بم أصابكم ما أصابكم ، قالت: بقدر الله، قال: وهذا أيضاً بقدر الله فاتبعيني، فاتبعته، فأراها جميع ما ذهب منهم في وادٍ وقال: اسجدي لي وأرده عليكم، فقالت: إنّ لي زوجاً أستأمره، فلم أخبرت أيوب قال: ألم تعلمي أن ذلك الشيطان ، لئن شفيت لأجلدنك مائة جلدة، وأبعدها وقال لها: طعامك وشرابك علي حرام لا أذوق مما تأتيني به شيئاً فابعدي عني فلا أراك، فذهبت عنه، فلما رأى أيوب أن امرأته قد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خرّ ساجداً وقال: ربّ (إني مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين) الأنبياء : 83 كرّر ذلك، فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك، (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) ص : 42، ورد الله إليه جسده وصورته.
    وأما امرأته فقالت: كيف أتركه، وليس عنده أحد، يموت جوعاً وتأكله السبّاع ، فرجعت إليه فرأت أيوب وقد عوفي، فلم تعرفه، فعجبت حيث لم تره على حاله، فقالت له: يا عبد الله هل رأيت ذلك ارجل المبتلى الذي كان ههنا ، قال: وهل تعرفينه إذا رأيته ، قالت: نعم، قال: هو أنا، فعرفته.
    وقيل: إنما قال: مسني الضرّ لما وصل الدود إلى لسانه وقلبه خاف أن يبطل عن ذكر الله تعالى والفكر، وردّ الله إليه أهله ومثلهم معهم، قيل هم بأعيانهم، وقيل: ردّ الله إليه امرأته وردّ إليها شبابها فولدت له ستّة وعشرين ذكراً، وأنزل الله إليه ملكاً فقال: يا أيّوب إنّ الله يقرئك السلام لصبرك على البلاء، اخرج الى أندرك، فخرج إليه، فبعث الله سحابةً فألقت عليه جراداً من ذهب، وكانت الجرادة تذهب فيتبعها حتى يردّها في أندره، فقال الملك: أما تشبع من الداخل حتى تتّبع الخارج ، فقال: إن هذه البركة من بركات ربّي لست أشبع منها.
    وعاش أيوب بعد أن رفع عنه البلاد سبعين سنة، ولما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجوناً من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ليبرّ من يمينه، ففعل ذلك.
    وقول أيّوب: (ربّ إنّي مسّني الضرّ)، دعاء ليس بشكوى، ودليله قوله تعالى: (فاستجبنا له) الأنبياء : 84.
    وكان من دعاء أيّوب: أعوذ بالله من جارٍ عينه تراني إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة ذكرها، وقيل: كان سبب دعائه أنّه كان قد اتبعه ثلاثة نفر على دينه اسم أحدهم يلدد والآخر اليفر والثالث صافر، فانطلقوا إليه وهو في البلاء فبكّتوه أشدّ تبكيت وقالوا له: لقد أذنبت ذنباً ما أذنبه أحد، فلهذا لم يكشف العذاب عنك، وطال الجدال بينهم وبينه، فقال فتى كان معهم لهم كلاماً يردّ عليهم، فقال: قد تركتم من القول أحسنه، ومن الرأي أصوبه، ومن الأمر أجمله، وقد كان لأيّوب عليكم من الحقّ والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون حقّ من انتقصتم وحرمة من انتهكتم ومن الرجل الذي عبتم ، ألم تعلموا أن أيوب نبيّ الله وخيرته من خلقه يومكم هذا ، ثمّ لم تعلموا ولم يعلمكم الله أنه سخط شيئاً من أمره ولا أنه نزع شيئاً من الكرامة التي كرم الله بها عباده ولا أن أيوب فعل غير الحقّ في طول ما صحبتموه، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في نفوسكم، فقد علمتم أنّ الله يبتلي النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وليس بلاوه لأولئك دليلاً على سخطه عليهم ولا على هوانهم عليه ولكنها كرامة وخيرة لهم، وأطال في هذا النحو من الكلام . ثمّ قال لهم: وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يكلّ ألسنتكم ويكسر قلوبكم ويقطع حجتكم، ألم تعلموا أن لله عباداً أسكتتهم خشيته عن الكلام من غير عيّ ولا بكم? وإنهم لهم الفصحاء الألبّاء العلامون بالله وآياته ولكنّهم إذا ذكروا عظمة الله انكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم وطاشت أحلامهم وعقولهم فزعاً من الله وهيبة له، فإذا أفاقوا استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدّون أنفسهم مع الظالمين وإنّهم لأبرار، ومع المقصرين وإنّهم لأكياس أتقياء، ولكنهم لا يستكثرون لله عزّ وجلّ الكثير ولا يرضون له القليل ولا يدلّون عليه بالأعمال فهم أينما لقيتهم خائفون مهيمون وجلون.
    فلمّا سمع أيوب كلامه قال: إنّ الله يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى كانت في القلب ظهرت على اللسان ولا تكون الحكمة من قبل السنّ والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل اله تعالى عبداً حكيماً عند الصِّبا لم تسقط منزلته عند الحكّام، ثمّ أقبل على الثلاثة فقال: رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم قبل أن تضربوا، كيف بكم لو قلت لكم تصدّقوا عني بأموالكم لعل الله أن يخلصني، أو قربوا قرباناً لعل الله أن يتقبّل ويرضى عني? وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم فظننتم أنّكم عوفيتم بإحسانكم فبغيتم وتعزّزتم، لو صدّقتم ونظرتم بينكم وبين ربّكم لوجدتم لكم عيوباً سترها الله بالعافية، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقّرونني وأنا مسموع كلامي، معروف من حقّي، مستنصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فأنتم أشدّ عليَّ من مصيبتي.
    ثمّ أعرض عنهم وأقبل على ربّه مستغيثاً به متضرّعاً إليه
    فقال الله: يا أيوب نفذ فيك حكمي وسبقت رحمتي غضبي، قد غفرت لك ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلفك آية وعبرة لأهل البلاء وعزاءً للصابرين، ف (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) ص : 42 فيه شفاء، وقرّب عن اصحابك قرباناً واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك، فركض برجله فانفجرت له عين ماء فاغتسل فهيا، فرفع الله عنه البلاء، ثمّ خرج فجلس وأقبلت امرأته فسألته عنه فقال: هل تعرفينه? قالت: نعم، مالي لا أعرفه فتبسّم، فعرفته بضحكه، فاعتنقته فلم تفارقه من عناقه حتى مرّ بهما كلّ مال لهما وولد.
    وإنما ذكرته قبل يوسف وقصّته لما ذكر بعضهم من أمره وأنه كان نبيّاً في عهد يعقوب.
    وذكر أن عمر أيوب كان ثلاثاً وتسعين سنة، وأنه أوصى عند موته الى ابنه حومل، وأن الله بعد بعده ابنه بشر بن أيوب نبيّاً وسمّا ذا الكفل، وكان مقيماً بالشام حتى مات، وكان عمره خمساً وسبعين سنة، فأوصي إلى ابنه عيدان، وأنّ الله بعث بعده شعيب بن ضيعون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، عليه السلام.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    قصة يوسف عليه السلام

    ّّّّّّّّّّّّّّّّ ذكروا أنّ اسحاق توفّي وعمره ستون ومائة سنة، وقبره عند أبيه ابراهيم، قبره في مزرعة حبرون، وكان عمر يعقوب مائة وسبعاً وأربعين سنة، وكان ابنه يوسف قد قسم له ولأمّه شطر الحسن، وكان يعقوب قد دفعه إلى أخته ابنة اسحاق تحضنه، فأحبّته حبّاً شديداً وأحبّه يعقوب أيضاً حبّاً شديداً، فقال لأخته: يا أخيّه سلّمي إليّ يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، فقالت: والله ما أنا بتاركته ساعة، فأصرّ يعقوب على أخذه منها، فقالت: أتركه عندي أيّاماً لعلّ ذلك يسليني، ثمّ عمدت الى منطقة اسحاق، وكانت عندها، لأنها كانت أكبر ولده، فحزمتها على وسط يوسف ثمّ قالت: قد فقدت المنطقة فانظروا من أخذها، فالتمست، فقالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، وكان من مذهبهم أن صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد، فأخذت يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها، فهذا الذي تأوّل إخوة يوسف: (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يوسف : 77، وقيل في سرقته غير هذا.
    فلمّا رأى إخوة يوسف محبّة أبيهم له وإقباله عليه حسدوه وعظم عندهم . ثمّ إنّ يوسف رأى في منامه كأنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر تسجد له، فقصها على أبيه، وكان عمره حينئذٍ اثنتي عشرة سنة، فقال له أبوه: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إنهَ الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين) يوسف : 5، ثمّ عبّر له رؤياه، فقال: (وكذلك يجتبيك ربّك ويعلمك من تأويل الأحاديث).
    وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لأبيه فقال لها يعقوب: اكتمي ما قال يوسف ولا تخبرين أولادك، قالت: نعم، فلمّا أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرّؤيا، فازدادوا حسداً وكراهةً له وقالوا: ما عني بالشمس غير أبينا، ولا بالقمر غيرك، ولا بالكواكب غيرنا، إنّ ابن راحيل يريد أن يتملك علينا ويقول أنا سيدّكم، وتآمروا بينهم أن يفرّقوا بينه وبني أبيه وقالوا: (ليوسف وأخوه أحبُّ إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال مبين) يوسف: 8 - في خطأ بين في إيثارهما علينا - (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين) يوسف : 9 أي تائبين.
    فقال قائل منهم، وهو يهوذا، وكان أفضلهم وأعقلهم: لا تقتلوا يوسف فإنّ القتل عظيم، وألقوه في غيابة الجبّ يلتقطه بعض السيارة، وأخذ عليهم العهود أنّه لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك أن يدخلوا على يعقوب ويكلّموه في إرسال يوسف معهم الى البريّة، وأقبلوا إليه ووقفوا بين يديه، وكذلك كانوا يفعلون إذا أرادوا منه حاجة، فلمّا رآهم قال: ما حاجتكم (قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنّا على يوسف وإنّا له لناصحون ، أرسله معنا غدآ يرتع ويلعب وإنّا له لحافظون)، يوسف : 11 ، 12 فقال لهم يعقوب: (إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) يوسف : 13 لا تشعرون، وإنما قال لهم ذلك لأنه كان رأى في منامه كأنّ يوسف على رأس جبل وكأنّ عشرة من الذئاب قد شدّوا عليه ليقتلوه، وإذا ذئب منها يحمي عنه، وكأنّ الأرض انشقّت فذهب فيها فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيّام، فلذلك خاف عليه الذئب.
    فقال له بنوه: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون) يوسف : 14، فاطمأنّ إليهم، فقال يوسف: يا أبتِ أرسلني معهم، قال: أوتحبّ ذلك ، قال: نعم، فأذن له، فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه، فلمّا برزوا الى البريّة أظهروا له العداوة وجعله بعض إخوته يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، وجعل يصيح: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء.
    فلمّا كادوا يقتلونه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً ألا تقتلوه ، فانطلقوا به الى الجبّ فأوثقوه كتافاً ونزعوا قميصه وألقوه فيه " والجبّ بأرض بيت المقدس معروف "، فدّلوه في الجبّ، فلما بلغ نصفه ألقوه وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء، فسقط فيه ثمّ زوى إلى صخرة فأقام عليها ، ثم أوحى الله إليه: (لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) يوسف : 15 بالوحي، وقيل وهم لا يشعرون أنه يوسف .
    ثم عادوا إلى أبيهم عشاءً يبكون فقالوا: (يا أبا إنا ذهنبا نستبق وتركنا يوسف عدن متاعنا فأكله الذئب) يوسف : 17، فقال لهم أبوهم: (بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل) يوسف : 18، ثم قال لهم: أروني قميصه، فزروه، فقال: تالله ما رأيتُ ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يشقّ قميصه ثم صاح وخرّ مغشيّاً عليه ساعة، فلمّا أفاق بكى بكاء طويلاً فأخذ القميص يقبّله ويشمّه.
    وأقام يوسف في الجب ثلاثة أيام، وأرسل الله ملكاً فحلّ كتافه، ثمّ (وجاءت سيارةٌ فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه)، وهو الذي يتقدّم إلى البئر ليحضر الماء، فتعلّق به يوسف فأخرجه من الجبّ، (قال يا بشرى هذا غلام ، وأسروه بضاعةً )، تباشروا وقيل يا بشر اسم غلام ، وخافوا أن يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة اشركونا فيه فقالوا: إنّ أهل الماء استبضعونا هذا الغلام . وذهبوا به الى مصر ، وعرضوه للبيع، فاشتراه قطفير، وقيل اطفير، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، والملك يومئذٍ الريّان بن الوليد رجل من العمالقة، قيل: إنّ هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حيّ، وملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف فلم يؤمن.
    فلمّا اشترى يوسف وأتى به إلى منزله قال لامرأته، واسمها راعيل: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدآ) اى يكفينا إذا هو بلغ و فهم الأمور بعض ما نحن بسبيله من أمورنا أو يكون لنا ولداً، وكان قطفير لايأتي النساء، وكانت امرأته حسناء ناعمة في ملك ودنيا.
    فراودت راعيل يوسف عن نفسه وأغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته إلى نفسها، فقال: (معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون) يوسف : 23،يعني أن زوجها سيده وأنّ خيانته ظلم، وجعلت تذكر محاسنه وتشوّقه إلى نفسها، فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك قال: هو أوّل ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسن عينيك قال: هما أول ما يسيل من جسدي، قالت: ما أحسن وجهك قال: هو للتراب، فلم تزل به حتى همّت به وهمّ بها لولا ان رأى برهان ربّه فأسرع هارباً يريد الباب، فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قبل ظهره فقدّته، (وألفيا سيدها لدى الباب) - وابن عمها معه، فقالت له - : (ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن او عذاب اليم) يوسف : 26، قال يوسف: بل هي التى راودتني عن نفسي فهربت منها فأدركتني فقدّت قميصي، قال لها ابن عمّها: تبيان هذا في القميص فإن كان قُدّ من قُبُلٍ فصدقتِ، وإن كان قُدّ من دُبُرٍ فكذبت، فأُتي بالقميص فوجده قُدّ من دبر فقال: (إنه من كيدكنّ إنّ كيدكنّ عظيم) يوسف : 28.
    وقيل: كان الشاهد صبيّاً في المهد، قال ابن عباس: تكلّم أربعة في المهد وهم صغار، ابن ماشطة امرأة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريح، وعيسى بن مريم.
    وقال زوجها ليوسف:أعرض عن ذكر ما كان منها فلا نذكره لأحد، ثم قال لزوجته : استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين.
    وتحدّث النساء بأمر يوسف وامرأة العزيز، وبلغ ذلك امرأة العزيز، فأرسلت إليهنّ وأعتدت لهن متّكأً يتّكئن عليه من وسائد، وحضرن، وقدّمت لهنّ أترنجاً وأعطت كلّ واحدة منهنّ سكّيناً لقطع الأترنج، وقد أجلست يوسف في غير المجلس الذي هنّ فيه وقالت له: (اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن وقلن حاشا لله ما هذا بشراً، إن هذا إلا ملك كريم) يوسف : 31.
    فلمّا حلّ بهنّ ما حلّ من قطعهنّ أيديهن بالسكاكين، وذهاب عقولهن وعرفن خطأهنّ فيما قلن أقرّت على نفسها وقالت: (فذلكن الذي لمتنّني فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) يوسف : 32، فاختار يوسف السجن على معصية الله، فقال: (رب السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن) يوسف : 33، 34، ثمّ بدا للعزيز من بعد ما رأي الآيات من القميص وخمش الوجه وشهادة الطفل وتقطيع النسوة أيديهنّ في ترك يوسف مطلقاً.
    وقيل: إنها شكت إلى زوجها وقالت: إنّ هذا العبد قد فضحني في الناس يخبرهم أنني راودته عن نفسه، فسجنه سبع سنين، فلما حُبس يوسف أُدخل معه السجن فتيان من أصحاب فرعون مصر، أحدهما صاحب طعامه، والآخر صاحب شرابه، لأنهما نقل عنهما أنهما يريدان أن يسمّا الملك، فلمّا دخل يوسف السجن قال: إني أعبِّر الأحلام، فقال أحد الفتيين للآخر: هلمّ فلنجرّبه: (قال احدهما إني أراني أعصر خمرا، وقال الأخر إنى أرانى أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منهً) يوسف : 36، فأراد ان يعظهما قبل أن يعبر لهما ما سألاه عنه، فقال: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) يوسف : 39 وكان اسم الخبّاز مخلت، واسم الآخر نبو، فلم يدعاه حتى أخبرهما بتأويل ما سألاه عنه، فقال: (أما أحدكما فيسقي ربّه خمراً)، وهو الذي رأى أنه يعصر الخمر، ويعنى سيده الملك (وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه)، يوسف : 41، ثم قال لنبو، وهو الذي ظنّ أنه ناج منهما: (اذكرني عند ربك) يوسف : 42 اى أخبر الملك أني محبوس ظلماً، (فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين)، ، فلبث يوسف في السجن سبع سنين بعد ذلك.
    ثم إنّ الملك، وهو الريّان بن الوليد بن الهروان بن اراشة بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رأى رؤيا هائلة، رأي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورأي سبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحازة والعافة فقصّها عليهم، فقالوا: (أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) يوسف : 44 - 45، فأرسلوه الى يوسف، فقصّ عليه الرّؤيا، فقال يوسف: (تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون، ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شداد يأكلن ما قدمتم لهنّ إلاّ قليلاً مما تحصنون، ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) يوسف : 47 - 49، فإن البقرة السّمان السنون المخاصيب، والبقرات العجاف السنون المحول، وكذلك السنبلات الخضر واليابسات، فعاد نبو إلى الملك فأخبره، فعلم أنّ قول يوسف حقّ، فطلب إحضاره اليه، فلما عاد الرسول الى يوسف ودعاه إلى الملك لم يخرج معه وقال: (ارجع الى ربك فأسأله ما بال النسوة اللاّتي قطعن أيديهن) يوسف : 50 فلما رجع الرسول من عند يوسف سأل الملك أولئك النسوة فقلن: (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) ولكنّ امرأة العزيز خبّرتنا أنها راودته عن نفسه، فقالت امرأة العزيز: (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) يوسف : 51، فلما ظهر للملك براءة يوسف وأمانته قال: (ائتوني به أستخلصه لنفسي) يوسف : 54، فلمّا جاءه الرسول خرج معه ودعا لأهل السّجن وكتب على بابه: هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء، ثمّ اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك، (فلما كلمه قال إنّك اليوم لدينا مكينٌ أمين ، قال اجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم) يوسف : 54 ،55، فاستعمله بعد سنة وسلّم خزائنه كلّها إليه وجعل القضاء إليه وحكمه نافذاً، وردّ إليه عمل قُطفير سيّده بعد أن هلك، وكان هلاكه في تلك الليالي، وقيل: بل عزله فرعون وولّى يوسف عمله، والأوّل أصحّ لأنّ يوسف تزوّج امرأته، على ما نذكره.
    ولما ولي يوسف عمل مصر دعا الملك الريّان إلى الإيمان، فآمن، ثمّ توفي، ثم ملك بعده مصر قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق، فدعاه يوسف الى الإيمان، فلم يؤمن، وتوفي يوسف في ملكه.
    ثم إنّ الملك الريّان زوّج يوسف راعيل امرأة سيّده، فلمّا دخل بها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين ، فقالت: أيها الصدّيق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء جميلة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك فغلبتني نفسي، ووجدها بكراً، فولدت له ولدين افرائيم ومنشا.
    فلمّا ولي يوسف خزائن أرضه ومضت السنون السبع المخصبات وجمع فيها الطعام في سنبله ودخلت السّنون المجدبة وقحط النّاس وأصابهم الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي هو بها بعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمّه، فلمّا دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، وإنّما أنكروه لبعد عهدهم منه ولتغير لبسته، فإنّه لبس ثياب الملوك، فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما شأنكم، قالوا: نحن من الشام جئنا نمتار الطعام، قال: كذبتم، أنتم عيون، فأخبروني خبركم، قالوا: نحن عشرة أولاد رجل واحد صدّيق، كنّا اثني عشر، وإنّه كان لنا أخ فخرج معنا إلى البرية فهلك، وكان أحبّنا الى أبينا، قال: فإلى من سكن أبوكم بعده ، قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه، قال: فأتوني به أنظر إليه (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون، قالوا سنراود عنه أباه) يوسف : 60 - 61، وجهّزهم يوسف بجهازهم وقال لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم، يعني ثمن الطعام، في رحالهم لعلّهم يرجعون، لما علم أنّ أمانتهم وديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة فيرجعون إليه لأجلها. وقيل: ردّ مالهم لأنّه خشي أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به مرّةً أخرى، فإذا رأوا معهم بضاعة عادوا، وكان يوسف حين رأى ما بالنّاس من الجهد قد أسّى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيراً.
    فلما رجعوا الى أبيهم بأحمالهم قالوا: يا أبانا إنّ عزيز مصر قد أكرمنا كرامة لو أنه بعض أولاد يعقوب مازاد على كرامته، وقال: ائتوني بأخيكم الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم،فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون، قال يعقوب: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا يا أبانا ما نبغي، هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير) يوسف : 63 - 65، فقال يعقوب: (لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم، فلمّا آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل) يوسف : 66، ثم أوصاهم أبوهم بعد أن أذن لأخيهم في الرحيل معهم (وقال يا بنيّ لاتدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) يوسف : 67، خاف عليهم العين، وكانوا ذوي صورة حسنة، ففعلوا كما أمرهم أبوهم،
    ولما دخلوا على يوسف عرف أخاه فآواه إليه وأنزلهم منزلاً وأجرى عليهم الوظائف وقدّم لهم الطعام وأجلس كلّ اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيّاً لأجلسني معه فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا وحيداً، فأجلسه معه وقعد يؤاكله، فلما كان الليل جاءهم بالفرش وقال: لينم كلّ أخوين منكم على فراش، وبقي بنيامين وحده، فقال: هذا ينام معي، فبات معه على فراشه، فبقي يشمّه ويضمّه إليه حتى أصبح، وذكر له بنيامين حزنه على يوسف، فقال له: أتحبّ أن أكون أخاك عوض أخيك الذاهب، فقال بنيامين: ومن يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه فعانقه وقال له: إنّي أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما فعلوه بنا فيما مضى، فإنّ الله قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم بما علّمتك . فلمّا حمّل يوسف إبل إخوته من الميرة جعل الإناء الذي يكيل به الطعام، وهوالصواع، وكان من فضّة، في رحل أخيه، وقيل: كان إناء يشرب فيه، ولم يشعر أخوه بذلك.
    وقيل: إنّ بنيامين لما علم أنّ يوسف أخوه قال: لا أفارقك، قال يوسف: أخاف غمّ أبوينا ولا يمكنني حبسك إلاّ بعد أن أشهرك بأمر فظيع، قال: افعل، قال: فإني أجعل الصواع في رحلك ثمّ أنادي عليك بالسرقة لآخذك منهم، قال: افعل، فلمّا ارتحلوا أذّن مؤذّن أيتها العير إنكم لسارقون، فأقبلوا عليهم ليعرفوا ماذا فقدوا، فأخبروهم بفقدان صواع الملك، (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين) يوسف : 73 لأننا رددنا ثمن الطعام الى يوسف، فلما قالوا ذلك (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) يوسف : 74 - 75 تأخذونه لكم، فبدأ بأوعيتهم ففتشها قبل وعاء أخيه ثمّ استخرجها من وعاء أخيه، فقالوا: (إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل) يوسف : 75، يعنون يوسف، وكانت سرقته حين سرق صنماً لجدّه أبي أمّه فكسره فعيروه بذلك، وقيل ما تقدّم ذكره من المنطقة.
    فلما استخرجت السرقة من رحل الغلام قال إخوته: يا بني راحيل لا يزال لنا منكم بلاء فقال بنيامين: بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم.
    فأخذ يوسف أخاه بحكم إخوته، فلمّا رأوا أنهم لا سبيل لهم عليه سألوه أن يتركه لهم (قالوا يا أيها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ، قال معاذ الله أن نأخذ إلاّ من وجدنا متاعنا عنده إنا إذآ لظالمون) يوسف : 78، 79، فلما يأسوا من خلاصه خلصوا نجيّاً لا يختلط بهم غيرهم، فقال كبيرهم، وهو شمعون: (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف، فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي) يوسف : 80 أى أن نأتيه بأخينا إلاّ أن يحاط بنا، ومن قبل هذه المرّة بالخروج، وقيل: بالحرب، فارجعوا الى أبيكم فقصّوا عليه خبركم.
    فلما رجعوا إلى أبيهم فأخبروه بخبر بنيامين وتخلف شمعون (قال بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميلٌ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً) يوسف : 83، بيوسف وأخيه وشمعون، ثم أعرض عنهم (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) يوسف : 84 مملوء من الحزن والغيظ، فقال له بنوه: (تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين)، يوسف : 85، فأجابهم يعقوب فقال: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون) من صدق رؤيا يوسف.
    وقيل: بلغ من وجد يعقوب وجد سبعين مبتلىً، وأعطي على ذلك أجر مائة شهيد.
    قيل: دخل على يعقوب جارٌ له فقال: يا يعقوب قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنّ ما بلغ أبوك فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: أتشكوني إلى خلقي ، قال: يا ربّ خطيئة فاغفرها، قال: قد غفرتها لك، فكان يعقوب إذا سئل بعد ذلك قال: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله)، فأوحى الله إليه: لو كانا ميتين لأحييتهما لك، إنّما ابتليتك لأنك قد شويت وقترت على جارك ولم تطعمه.
    وقيل: كان سبب ابتلائه أنه كان له بقرة لها عجول فذبح عجولها بين يديها وهي تخور فلم يرحمها يعقوب، فابتلي بفقد أعزّ ولده عنده؛ وقيل: ذبح شاة، فقام ببابه مسكين فلم يطعمه منها، فأوحى الله إليه في ذلك وأعلمه أنه سبب ابتلائه، فصنع طعاماً ونادى: من كان صائماً فليفطر عند يعقوب.
    ثمّ إن يعقوب أمر بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع اليها وتحسّس الأخبار عن يوسف وأخيه، فرجعوا الى مصر فدخلوا على يوسف وقالوا: (يا أيها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل) يوسف : 88 قيل: كانت بضاعتهم دراهم زيوفاً، وقيل: كانت سمناً وصوفاً، وقيل غير ذلك، (وتصدق علينا) بفضل ما بين الجيّد والرّديء، وقيل: بردّ أخينا علينا، فلما سمع كلامهم غلبته نفسه فارفضّ دمعه باكياً ثمّ باح لهم بالذي كان يكتم، فقال: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ، قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي، قد منّ الله علينا) يوسف : 89 - 90 بأن جمع بيننا، فاعتذروا (قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) يوسف: 91 : 92، أي لا أذكر لكم ذنبكم، ثم سألهم عن أبيه، فقالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن، فقال: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه علي وجه أبي يأت بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين) يوسف : 93، فقال يهودا: أنا أذهب به لأنّي ذهبت إليه بالقميص ملطّخاً بالدم واخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أخبره أنه حيّ فأفرحه كما أحزنته، وكان هو البشير، (ولما فصلت العير) عن مصر حملت الريح الى يعقوب ريح يوسف، وبينهما ثمانون فرسخاً، يوسف بمصر ويعقوب بأرض كنعان، فقال يعقوب: (إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون) يوسف : 94 فقال له من حضره من أولاده: (تالله إنك لفي ضلالك القديم) من ذكر يوسف ، فلمّا أن جاء البشير بقميص يوسف ألقاه على وجه يعقوب فعاد بصيراً (قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)، يعني تصديق الله تأويل رؤيا يوسف؛ فلما جاء البشير قال له يعقوب: كيف تركت يوسف ، قال: إنه ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك علي أيّ دين تركته ، قال: على الإسلام، قال: الآن تمّت النعمة، فلما رأى من عنده من أولاده قميص يوسف وخبره قالوا له: (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا)، قال: (سوف أستغفر لكم) يوسف : 96 - 97 آخر الدّعاء الى السّحر من ليلة الجمعة.
    ثم ارتحل يعقوب وولده، فلمّا دنا من مصر خرج يوسف يتلقّاه ومعه أهل مصر، وكانوا يعظمونه، فلما دنا أحدهما من صاحبه نظر يعقوب الى الناس والخيل، وكان يعقوب يمشي ويتوكّأ على ابنه يهودا، فقال له: يا بنيّ هذا فرعون مصر، قال: لا، هذا ابنك يوسف، فلما قرب منه أراد يوسف أن يبدأه بالسلام، فمنع من ذلك، فقال يعقوب: السلام عليك يا مُذهب الأحزان، لأنّه لم يفارقه الحزن والبكاء مدّة غيبة يوسف عنه.
    قال: فلما دخلوا مصر رفع أبويه، يعني أمّه وأباه، وقيل: كانت خالته، وكانت أمه قد ماتت، وخّر له يعقوب وأمّه وإخوته سجداً، وكان السجود تحيّة الناس للملوك، ولم يرد بالسجود وضع الجبهة على الأرض، فإنّ ذلك لا يجوز إلا لله تعالى ، وإنما أراد الخضوع والتواضع والانحناء عند السلام، كما يفعل الآن بالملوك، والعرش: السرير، وقال: (يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً) يوسف : 100.
    وكان بين رؤيا يوسف ومجيء يعقوب أربعون سنة، وقيل: ثمانون سنة، فإنه ألقي في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقيه وهو ابن سبع وتسعين سنة، وعاش بعد جمع شمله ثلاثاً وعشرين سنة، وتوفي وله مائة وعشرون سنة، وأوصى إلي أخيه يهودا، وقيل: كانت غيبة يوسف عن يعقوب ثماني عشرة سنة، وقيل: إنّ يوسف دخل مصر وله سبع عشرة سنة، واستوزره فرعون بعد ثلاث عشرة سنة من قدومه إلى مصر، وكانت مدّة غيبته عن يعقوب اثنتين وعشرين سنة، وكان مُقام يعقوب بمصر وأهله معه سبع عشرة سنة، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
    ولما مات يعقوب أوصي الى يوسف أن يدفنه مع أبيه اسحاق، ففعل يوسف، فسار به الى الشام فدفنه عند أبيه، ثمّ عاد إلى مصر وأوصى يوسف أن يحمل من مصر ويدفن عند آبائه، فحمله موسى لما خرج ببني إسرائيل من مصر.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    قصة شعيب عليه السلام

    قيل: إن اسم شعيب يثرون بن ضيعون بن عنقا بن ثابت بن مدين بن ابراهيم، وقيل: هو شعيب بن ميكيل من ولد مدين، وقيل: لم يكن شعيب من ولد ابراهيم، وإنما هو من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه الى الشام، ولكنه ابن بنت لوط، فجدّة شعيب ابنة لوط، وكان ضرير البصر، وهو معنى قوله تعالى: (وإنا لنراك فينا ضعيفاً) هود: 91؛ أي ضرير البصر.
    وكان النبيّ، صلى الله عليه وسلم، إذا ذكره قال: ذاك خطيب الأنبياء؛ بحسن مراجعته قومه؛ وإن الله أرسله الى أهل مدين وهم أصحاب الأيكة، والأيكة: شجر ملتفّ، وكانوا أهل كفر بالله، وبخس للناس في المكاييل والموازين وإفساد أموالهم، وكان الله وسع عليهم في الرزق وبسط لهم في العيش استدراجاً لهم منه مع كفرهم بالله، فقال لهم شعيب: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) هود : 84.
    فلما طال تماديهم في غيّهم وضلالهم ولم يزدهم تذكير شعيب إيّاهم وتحذيره عذاب الله إياهم إلا تمادياً، ولما أراد إهلاكهم سلّط عليهم عذاب يوم الظّلّة، وهو ما ذكره ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (فأخذهم عذاب يوم الظلّة إنه كان عذاب يوم عظيم) الشعراء : 189، فقال: بعث الله عليهم وقدة وحرّاً شديداً فأخذ بأنفسهم، فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلّتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذّة فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحتها، فأرسل الله عليهم ناراً، قال عبد الله بن عبّاس: فذلك عذاب يوم الظلّة.
    وقال قتادة: بعث الله شعيباً الي أمّتين: الى قومه أهل مدين، والى أصحاب الأيكة، وكانت الأيكة من شجر ملتف، فلما أراد الله أن يعذبهم بعث عليهم حرّاً شديداً ورفع لهم العذاب كأنه سحابة، فلما دنت منهم خرجوا إليها رجاء بردها، فلمّا كانوا تحتها أمطرت عليهم ناراً، قال: فذلك قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلّة). وأما أهل مدين فمنهم من ولد مدين بن ابراهيم الخليل، فعذّبهم الله بالرجفة، وهي الزلزلة، فأهلكوا.
    قال بعض العلماء: كان قوم شعيب عطلوا حدّاً، فوسع الله عليهم في الرزق، ثم عطلوا حدّاً فوسع الله عليهم في الرزق، فجعلوا كلّما عطلوا حدّاً وسع الله عليهم في الرزق، حتى إذا أراد هلاكهم سلّط عليهم حرّاً لا يستطيعون أن يتقارّوا ولا ينفعهم ظلّ ولا ماد حتي ذهب ذاهب منهم فاستظل تحت ظلّة فودج روحاً فنادى أصحابه: هلمّوا الى الروح، فذهبوا اليه سراعاً حتى اذا اجتمعوا إليها ألهبها الله عليهم ناراً، فذلك عذاب يوم الظلّة.
    وقد روى عامر عن ابن عباس أنه قال له: من حدثك ما عذاب يوم الظلّة فكذّبه، وقال مجاهد: عذاب يوم الظلّة هو إظلال العذاب على قوم شعيب، وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: (يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) هود : 87؛ قال: مما كان ينهاهم عنه قطع الدراهم.

    مقتبس: من كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 - 18:29