تابع الفصل الثامن: عود إلى إعجاز القرآن

    شاطر

    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 1958
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    تابع الفصل الثامن: عود إلى إعجاز القرآن

    مُساهمة من طرف فريق العمل في الجمعة 23 نوفمبر 2018 - 16:20


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة علوم القرآن
    الإعجاز البياني للقرآن الكريم
    تابع الفصل الثامن
    عود إلى إعجاز القرآن


    فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتضل دون وصفه. نحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير.
    واعلم أن هذا علم شريف المحل، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ليست له عشيرة تحميه، ولا أهل عصمة تفطن لما فيه. وهو أدق من السحر، وأهول من البحر، وأعجب من الشعر، وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعراً أو سجعاً، وليس كذلك، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع، وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها، وتراها في مظانها وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها، وتجد الأخرى - لو وضعت موضعها - في محل نفار ومرمى شراد، ونابية عن استقرار.
    ولا أكثر عليك المثال، ولا أضرب لك فيه الأمثال، وأرجع بك إلى ما وعدتك من الدلالة، وضمنت لك من تقريب المقالة، فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام، ومتصرفات مجاري النظام، لم تستفد مما نقربه عليك شيئاً، وكان التقليد أولى بك، والاتباع أوجب عليك، ولكل شيء سبب ولكل علم طريق، ولا سبيل إلى الوصول إلى الشيء من غير طريقه، ولا بلوغ غايته من غير سبيله.
    خذ الآن - هداك الله - في تفريغ الفكر، وتخلية البال، وانظر فيما نعرض عليك، ونهديه إليك، متوكلاً على الله، ومعتصماً به، مستعيداً به من الشيطان الرجيم، حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم.
    قال الله تعالى يصف القرآن الكريم: ( ولو أن قرآناً سيرتْ به الجبالُ أو قطعت به الأرض أو كّلم به الموتى بل للهِ الأمرُ جميعاً ).
    وقال تعالى: ( لاَ يَأْتِيِه الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميدٍ ).
    وقال تعالى: ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأيتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْربُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّروُنَ ).
    وقال تعالى: ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ والْجنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمثْلِ هَذَا الْقُرآنِ لاَ يأْتُونَ بِمثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبِعضْ ظَهيراً ).
    وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني ، حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عثمان، حدثنا أبو يوسف الصيدلاني، حدثنا محمد ابن سلمة، عن أبي سنان، عن عمر بن مرة، عن أبي البختري الطائي، عن الحارث الأعور، عن علي رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل أو سئل: ما المخرج من ذلك. فقال: " بكتاب الله العزيز الذي ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيْمٍ حَمِيدٍ ) من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا من جبار فحكم بغيره قصمه الله وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم. فيه خبر من قبلكم، وتبيان من بعدكم، وهو فصل ليس بالهزل، وهو الذي سمعته الجن فقالوا: ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فآمَنْا بِهِ ) لا يخلق على طول الرد، ولا ينقضي عبره، ولا تفنى عجائبه ".
    وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر ابن عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن عبيدة، عن أسامة، ابن أبي عطاء، قال: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه في ليلة. فذكر نحو ذلك في المعنى، وفي بعض ألفاظه اختلاف.
    وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا بشر بن عبد الوهاب، أخبرنا هشام بن عبيد الله، حدثنا المسيب بن شريك، عن بشر ابن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها، غير أنه لا يوحى إليه ". وذكر الحديث.
    ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره، وجلل الآفاق ضياؤه، ونفذ في العالم حكمه، وقبل في الدنيا رسمه، وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق، ممدود الأطناب، مبسوط الباع، مرفوع العماد، ليس على الأرض من يعرف الله حق معرفته، أو يعبده حق عبادته، أو يدين بعظمته، أو يعلم علو جلالته، أو يتفكر في حكمته، لكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرنَا، مَا كُنتَ تَدْرِي ما الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ، وَلَكنِ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهدي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ).
    فانظر إن شئت إلى شريف هذا النظم، وبديع هذا التأليف، وعظيم هذا الرصف، كل كلمة من هذه الآية تامة، وكل لفظ بديع واقع.. قوله: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ) يدل على صدوره من الربوبية، ويبين عن وروده عن الآلهية، وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير تميز عن جميعه، وكان واسطة عقده، وفاتحة عقده، وغرة شهره، وعين دهره.
    وكذلك قوله: ( وَلَكَنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِن عِبَاِدِنَا )، فجعله روحاً لنه يحيي الخلق، فله فضل الأرواح في الأجساد، وجعله نوراً، لأنه يضيء ضياء الشمس في الآفاق ثم أضاف وقوع الهداية به إلى مشيئته، ووقف وقوف الاسترشاد به على إرادته، وبيّن أنه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه، وإنه لم يكن ليهتدي فكيف كان يهدي لولاه، فقد صار يهدي ولم يكن من قبل ذلك ليهتدي، فقال: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا الأَرضِ أَلاَ إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ).
    فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث، فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان، وقوله: ( أَلاَ إِلى اللَّهِ تَصِيْرُ الأُمُورُ ) كلمة منفصلة مباينة للأولى، وقد صيرها شريف النظم أشد ائتلافاً من الكلام المؤالف، وألطف انتظاماً من الحديث الملائم، وبهذا يبين فضل الكلام وتظهر فصاحته وبلاغته.
    الأمر أظهر والحمد لله، والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف تأمل قوله: ( فَالِقُ الإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناُ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ).
    أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها، واحتج بها على ظهور قدرته، ونفاذ أمره، أليس كل كلمة منها في نفسها غرة، وبمفردها درة، وهو مع ذلك يبين أنه يصدر عن علو الأمر، ونفاذ القهر، ويتجلى في بهجة القدرة ويتحلى بخالصة العزة، ويجمع السلاسة إلى الرصانة، والسلامة إلى المتانة، والرونق الصافي، والبهاء الضافي.
    ولست أقول إنه شمل الإطباق المليح، والإيجاز اللطيف، والتعديل والتمثيل، والتقريب والتشكيل، وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه، لأن العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها، حتى يصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة، أو وجه قصيدة أو فقرة، فإذا ألفت ازدادت حسناً وزادتك إذا تأملت معرفة وإيماناً.
    ثم تأمل قوله: ( وَآيةٌ لهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النهَارَ فَإِذَا مُّظْلِمُونَ. وَالْشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍ لّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى كَالعُرجُونِ الْقَدِيمِ ). هل تجد كل لفظة، وهل تعلم كل كلمة، تستقل بالاشتمال على نهاية البديع، وتتضمن شرط القول البليغ?.. فإذا كانت الآية تنتظم من البديع، وتتألف من البلاغات، فكيف لا تفوت حد المعهود، ولا تحوز شأو المألوف? فكيف لا تحوز قصب السبق، ولا تتعالى عن كلام الخلق.
    ● ثم أقصد إلى سورة تامة، فتصرف في معرفة قصصها، وراع ما فيها من براهينها وقصصها، تأمل السورة التي يذكر فيها النمل، وانظر في كلمة كلمة وفصل فصل.
    بدأ بذكر السورة، إلى أن بين أن القرآن من عنده، فقال: ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ )، ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى ناراً فقال لأهله امكثوا: ( إِنّيِ آنَسْتُ نَاراً سَأَتِيكُم منها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكُم بِشهابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ).
    وقال في سورة طه في هذه القصة: ( لَعَّلَّيِ آتِيكُم مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى ).
    وفي مواضع: ( لعلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ )، قد تصرف في وجوه، وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك.
    ثم قال: ( فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ ). فانظر إلى ماجرى له من الكلام ، من علو أمر هذا النداء ، وعظم شأن هذا الثناء ، وكيف انتظم مع الكلام الأول ، وكيف اتصل بتلك المقدمة ، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية ، وما دل به عليها من قلب العصامية ، وجعلها دليلاً يدله عليه ومعجزة تهديه إليه .
    وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة، ثم ما شفع به هذه الآية، وقرن به هذه الدلالة: من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء.
    ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة، هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم، وبديع الرصف? فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها، تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها.. ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب، من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور لك الفصل وصلاً، ببديع التأليف، وبليغ التنزيل.
    ولهذا قال تعالى: ( فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ )، ليكون أبلغ في تعجيزهم، وأظهر للحجة عليهم. وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة، فهي بليغة بنفسها، تامة في معناها.
    وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين، وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق، فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه الأحاديث، فعبر عنه بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك، حتى ترى فيما جئت به النقض الظاهر، وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر.
    ولذلك أعاد قصة موسى في سور، وعلى طرق شتى، وفواصل مختلفة، مع اتفاق المعنى. فلعلك ترجع إلى عقلك، وتستر ما عندك، إن غلطت في أمرك، أو ذهبت في مذاهب وهمك، أوسطت على نفسك وجه ظنك.
    متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية، في أشياء مختلفة، فيجعلها مؤتلفة، من غير أن يبين على كلامه أعباء الخروج والتنقل، أو يظهر على خطابه آثار التكلف والتعمل? وأحسب أنه يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - حتى يظفر بمثل تلك الكلمات الإفراد، والألفاظ الأعلام، حتى يجمع بينها، فيجلو فيها فقرة من كلامه، وقطعة من قوله، ولو اتفق له في أحرف معدودة، وأسطر قليلة، فمتى يتفق له في قدر ما نقول إنه من القرآن معجز، هيهات هيهات.
    لا يمكن أن يتهيأ لبشر أن يقول ما قال القرآن
    إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة، والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة. متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام، بعد ذكر العنوان والتسمية، هذه الكلمة الشريفة العالية: ( أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ )، والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير، واشتعلت به من المشورة، ومن تعظيمها أمر المستشار، ومن تعظيمهم أمرها، وطاعتها بتلك الألفاظ البديعة، والكلمات العجيبة البليغة، ثم كلامها بعد ذلك، لتعلم تمكن قولها: ( يَا أَيُّهَا الْملأُ أََفْتُونِي في أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ )، وذكر قولهم: ( قَالُوا نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ).
    لا تجد في صفتهم أنفسهم أبدع مما وصفهم به، وقوله: ( الأَمْرُ إِلَيْكِ )، وتعلم براعته بنفسه وعجيب معناه، وموضع اتفاقه في هذا الكلام، وتمكن الفاصلة، وملاءمته لما قبله، وذلك قوله: ( فانظري ماذا تأمُرِينَ ).
    انظر إلى الاختصار مع البيان والإيجاز
    ثم إلى هذا الاختصار، وإلى البيان مع الإيجاز، فإن الكلام قد يفسده الاختصار، ويعميه التخفيف منه والإيجاز، وهذا مما يزيده الاختصار بسطاً، لتمكنه ووقوعه موقعه، ويتضمن الإيجاز منه تصرفاً يتجاوز محله وموضعه.
    وكما جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الإفهام، ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من التمام، ثم لو وقع على الإفهام.
    فما يجب فيه من شروط الأحكام، أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام، ثم لو ظفرت بذلك كله رأته ناقصاً في وجه الحكمة، أو مدخولاً في باب السياسة، أو مصفوفاً في طريق السيادة، أو مشترك العبارات إن كان مستوجد المعنى، أو جيد البلاغة مستجلب المعنى، أو مستجلب البلاغة جيد المعنى، أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة، أو مستبهم الجانب مستكره الوضع.
    وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد، وإذا اختصر كمل في بابه وجاد، وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف خاطره، وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه، لم يقع إلا على محاسن تتوالى، وبدائع تترى.
    فكر في قوله تعالى: ( إن الملوك إذا دخلوا... ).
    ثم فكر بعد ذلك في آية آية، أو كلمة كلمة في قوله: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةٌ أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أّذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ )، هذه الكلمات الثلاث: كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره، وكالياقوت يتلألأ بين شذوره... ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهي الكلمة الثالثة - وحسن موقعها، وعجيب حكمها، وبارع معناها.
    وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الأمر، ولكني قد بينت بما فسرت، وقررت بما فصلت، الوجه الذي سلكت، والنحو الذي قصدت، والغرض الذي إليه رميت، والسمت الذي إليه دعوت.
    تعادل نظم القرآن في مواقع القرآن الآيات القصيرة والطويلة
    ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك عليه، وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز في مواقع الآيات القصيرة والطويلة والمتوسطة، فأجل الرأي في سورة سورة، وآية آية، وفاصلة فاصلة، وتدبر الخواتم والفواتح والبوادىء والمقاطع، ومواضع الفصل والوصل، ومواضع التنقل والتحول. ثم اقضِ ما أنت قاضٍ وإن طال عليك تأمل الجميع فاقتصر على سورة واحدة أو على بعض سور.
    ● تأمل في قوله تعالى ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أَبناءَهُم، ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤهاه وضياؤهها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف.
    وهي تشتمل على جملة وتفصيل، وتفسير ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما، لأنها النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور.
    ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره.
    ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنْ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ ). وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس.
    ● تأمل قوله تعالى ( وَاْبتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ. وَلاَ تَنْسَ نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلاّ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الْمُفسِدِينَ )، وهي خمس كلمات، متباعدة في المواقع، نائية المطارح، قد جعلها النظم البديع أشد تألفاً من الشيء المؤتلف في الأصل، وأحسن توافقاً من المتطابق في أول الوضع.
    ● تأمل قوله تعالى ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَيَختَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالى عَمَا يُشْرِكُونَ ).
    ومثلها: : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَسَاكِنُهمُ لَم تُسْكَن مِن بَعْدِهم إِلاَ قَليلاُ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثينَ ).
    ومن المؤتلف قوله: ( فَخَسْفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ )، وهذه ثلاث كلمات كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر.
    ومن الباب الآخر قوله تعالى: ( وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، كُلُّ شَيءٍ هالك إِلاَّ وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرجَعُونَ ).
    كل سورة من هذه السور، تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها لم تستوف ما استوفته، ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم ونفور الطبع، وشراد الكلام، وتهافت القول، وتمنع جانبه، وقصورك في الإيضاح عن واجبه، ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة وفصل إلى فصل، حتى تتبين عليك مواضع الوصل، ويستصعب عليك أماكن الفصل، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة، وأمثالاً سائرة، وحكماً جليلة، وأدلة على التوحيد بينة، وكلمات في التنزيه والتحميد شريفة.
    إذا أجاد شاعر في وصف واقعة لم يبلغ جودة القرآن
    وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجري مجرى كلامه في ذكر القصص، إنك لتراه إذا جاء إلى وصف واقعة، أو نقل خبر، عاميَّ الكلام، سوقي الخطاب، مسترسلاً في أمره، متساهلاً في كلامه، عادلاً عن المألوف من طبعه، وناكباً عن المعهود من سجيته، فإن اتفق له في قصة كلام جيد، كان قدر ثنتين أو ثلاثة، وكان ما زاد عليها حشواً، وما تجاوزها لغواً... ولا أقلول إنها تخرج من عادته عفواً، لأنه يقصر عن العفو، ويقف دون العرف، ويتعرض للركاكة.
    الإعجاز في قصة موسى
    فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات، فتأمل غير ذلك من السور، هل تجد الجميع على ما وصفت لك، لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الإعجاز، فكيف بالقرآن العظيم، ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى وأقنع وشفى.
    ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء، لما طلبت بينة سواها، بل قصة من قصصه، وهي قوله: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ ) إلى قوله: ( فَأَخْرَجْنَاهُم مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُشْرِقِينَ ) حتى قال: ( فَأَوْحَيْنَا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعصَاكَ الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ، فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ ).
    الإعجاز في قصة إبراهيم
    ثم قصة إبراهيم عليه السلام.. ثم لو تكن إلا الآيات التي انتهى إليها القول في ذكر القرآن، وهي قوله: ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الْرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبيٍ مُبِينٍ ).
    وهذه كلمات مفردة بفواصلها، منها ما تتضمن فاتحة وفاصلة، ومنها ما هي فاتحة وواسطة وفاصلة، ومنها كلمة بفاصلتها تامة؛ دل على أنه نزل على قلبه ليكون نذيراً، وبيّن أنه آية لكونه نبياً، ثم وصل ذلك كيفية النذارة فقال: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ ).
    فتأمل آية أية لتعرف الإعجاز، وتتبين التصرف البديع، والتنقل في الفصول إلى آخر السورة، ثم راع المقطع العجيب، وهو قوله: ( وَسَيَعْلَمَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيْ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )، هل يحسن أن تأتي بمثل هذا الوعيد، وأن تنظم مثل هذا النظم، وأن تجد مثل هذه النظائر السابقة، وتصادف مثل هذه الكلمات المتقدمة، ولولا كراهة الإملال، لجئت إلى كل فصل، فاستقريت على الترتيب كلماته، وبينت لك ما في كل واحدة منها من البراءة، ومن عجيب البلاغة، ولعلك تستدل بما قلنا على ما بعده، وتستضيء بنوره، وتهتدي بهداه، ونحن نذكر آيات أخر، لتزداد استبصاراً، وتتقدم تيقناً.
    كلام الله المؤتلف
    تأمل من الكلام المؤتلف قوله: ( حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الَّطْولِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِليْهِ الْمَصِيرُ ).
    أنت قد تدربت الآن بحفظ أسماء الله تعالى وصفاته، فانظر متى وجدت في كلام البشر وخطبهم مثل هذا النظم في هذا القدر، وما يجمع ما تجمع هذه الآية: من شريف المعاني، وحسن الفاتحة والخاتمة، واتل ما بعدها من الآي، واعرف وجه الخلوص من شيء إلى شيء: من احتجاج إلى وعيد، ومن أعذار إلى إنذار، ومن فنون من الأمر شتى مختلفة تأتلف بشريفة النظم، ومتباعدة تتقارب بعلي الضم.
    ثم جاء إلى قوله: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِم، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ، فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ، وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرواْ أّنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) الآية الأولى أربعة فصول، والثانية فصلان.
    وجوه الوقوف على شريف الكلام أن تتأمل موقع قوله: ( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ).
    وهل تقع في الحسن موقع قوله ليأخذوه كلمة? وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة، وهل يسد مسده في الأصالة نكتة.
    لو وضع موضع ذلك: ليقتلوه أو ليرجموه أو لينفوه أو ليطردوه أو ليهلكوه أو ليذلوه، ونحو هذا، ما كان ذلك بعيداً ولا بارعاً، ولا عجيباً، ولا بالغاً.
    فانقد موضع هذه الكلمة، وتعلم بها ما تذهب إليه من نخب الكلام وجميل الألفاظ، والاهتداء للمعاني. فإن كنت تقدر أن شيئاً من هذه الكلمات التي عددنا عليك أو غيرها لا تقف بك على غرضنا من هذا الكتاب، فلا سبيل لك إلى الوقوف على تصاريف الخطاب، فافزع إلى التقليد، واكف نفسك مؤونة التفكير، وإن فطنت فانظر إلى ما قاله من رد عجز الخطاب إلى صدره بقوله: ( فَاَخَذْتُهُم فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) ثم ذكر عقيبها العذاب في الآخرة، وأتلاها تلو العذاب في الدنيا، على الأحكام الذي رأيت، ثم ذكر المؤمنين بالقرآن، بعد ذكر المكذبين بالآيات والرسل. فقال: ( الَّذِينَ يَحْمِلُوَنَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونُ به ). إلى ذكر ثلاث آيات.
    وهذا كلام مفصول تعلم عجيب اتصاله بما سبق ومضى، وانتسابه إلى ما تقدم وتقضّى، وعظم موضعه في معناه، ورفيع ما يتضمن من: تحميدهم وتسبيحهم وحكاية كيفية دعاء الملائكة، بقوله: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ). هل تعرف شرف هذه الكلمة لفظاً ومعنى، ولطيف هذه الحكاية، وتلاؤم هذا الكلام، وتشاكل هذا النظام، وكيف يهتدي إلى وضع هذه المعاني بشريّ، وإلى تركيب ما يلائمها من الألفاظ إنسي.
    ثم ذكر ثلاث آيات في أمر الكافرين على ما ترى، ثم نبه على أمر القرآن وأنه من آياته، بقوله: ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِّنَ السَّماءِ رِزْقَاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ )، وإنما ذكر هذين الأمرين اللذين يختص بالقدرة عليما لتناسبهما في أنهما من تنزيله من السماء، ولأن الرزاق الذي لو لم يرزق لم يمكن بقاء النفس تجب طاعته والنظر في آياته.
    ثم قال: ( فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَو كَرِهَ الْكَافِرُونَ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَلاقِ، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ، لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنهُم شَيءٌ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَومَ، لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ).
    قف على هذه الدلالة، وفكِّر فيها، وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات العالية، والكلمات السامية، والحكم البالغة، والمعاني الشريفة، تعلم ورودها عن الإلهية ودلالتها على الربوبية، وتتحقق أن الخطب المنقولة عنهم، والأخبار المأثورة في كلماتهم الفصيحة، من الكلام الذي تعلق به الهمم البشرية، وما تحوم عليه الأفكار الآدمية، وتعرف مباينتها لهذا الضرب من القول، أي خاطر يتشوف إلى أن يقول: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ الْتَّلاَقِ يَوْمَ هُم باَرِزُونَ ).
    وأي لفظ يدرك هذا المضمار، وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم، ثم استقرئ الآية إلى آخرها واعتبر كلماتها، وراع بعدها قوله: ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَومَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ )؛ من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث على قربها، وعلى خفتها في النظم، وموقعها من القلب، ثم تأمل قوله: ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفِةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر كَاظِمينَ، مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حًمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ، يَعْلَمُ خَائِنَةً الأَعْيُنٍ وَمَا تُخْفِي الصُدُورُ، واللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشِيءٍ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْسَمِيعُ الْبَصِيرُ ).
    كل كلمة من ذلك على ما قد وصفتها، من أنه إذا رآها الإنسان في رسالة كانت عينها، أو في خطبة كانت وجهها، أو قصيدة كانت غرة غرتها، وبيت قصيدتها، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد، وعين القلادة، ودرة الشذر، إذا وقع بين كلام وشحه، وإذا ضمن في نظام زينه، وإذا اعترض في خطاب تميز عنه، وبان بحسنه منه.
    بلاغة القرآن ليس في سورة دون سورة
    ولست أقول هذا لك في آية دون آية، وسورة دون سورة، وفصل دون فصل، وقصة دون قصة، ومعنى دون معنى، لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص والأخبار، وفي الشرائع والأحكام، وفي الديانة والتوحيد. وفي الحجج والتثبيت، هو خلاف الكلام فيما عدا هذه الأمور.
    نظم القرآن لا يتفاوت في شيء
    ألا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصر، والأديب إذا تكلم في بيان الأحكام، وذكر الحلال والحرام، لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره.. ونظم القرآن لا يتفاوت في شيء، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى، والفضل الأسنى. وفيما شرحناه لك كغاية، وفيما بيناه بلاغ.
    إعجاز القرآن في الأحكاميات
    ونذكر في الأحكاميات وغيرها آيات أخرى، منها قوله: ( يَسْئَلُونَكَ مّاذَا أُحِلَّ لَهُمْ، قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيّبَاتُ، وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجوَارِحِ مُكَلِّبِينَ، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ، وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ).
    أنت تجد في هذه الآية، من الحكمة، والتصرف العجيب، والنظم البارع، ما يدلك إن شئت على الإعجاز، مع هذا الإختيار والإيجاز، فكيف إذا بلغ ذلك آيات وكانت سورة? ونحو هذه الآية قوله: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُميَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، يأمُرُهُم بِالمَعْرِوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرهُمْ وَالأَغلاَلَ التَّي كَانَتْ عَلَيْهمْ، فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أوَلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).
    إعجاز القرآن في آيات التوحيد وإثبات النبوة
    وكالآية التي بعدها في التوحيد وإثبات النبوة، وكالآيات الثلاث في المواريث. أي بارع يقدر على جمع أحكام الفرائض في قدرها من الكلام? ثم كيف يقدر على ما فيها من بديع النظم? وإن جئت إلى آيات الاحتجاج كقوله تعالى: ( لّوْ كَانَ فِيهما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا، فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يُفعلُ وَهُم يُسْأَلُونَ ).
    وكالآيات في التوحيد كقوله: ( هُوَ الحَيُّ، لا إله إلا هُوَ فادعُوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ، الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ). وكقوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَمَواتِ وَالأَرْضِ، وَلَمَ يَّتخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَريكٌ فِي المُلكِ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ).
    وكقوله: ( تَبَارَكَ الَّذِي بيدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ )، إلى آخرها.
    وكقوله: ( وَالصَّافَّاتِ صَفَّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً، إِنَّ إِلهَكُم لَوَاحِدٌ، رَّبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ، إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ، وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ، لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى المَلأ الأَعْلَى؛ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً، وَلَهُم عَذَابٌ وَاصِبٌ، إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ).
    هذه من الآيات التي قال فيها تعالى ذكره: ( اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِي. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هَادٍ ). وانظر بعين عقلك، وراجع جلية بصيرتك، إذا تفكرت في كلمة كلمة مما نقلناه إليك، وعرضناه عليك، ثم فيما ينتظم من الكلمات، ثم إلى أن يتكامل فصلاً وقصة، أو يتم حديثاً وسورة.
    فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب
    لا بل فكر في جميع القرآن على هذا الترتيب، وتدبره على نحو هذا التنزيل، فلم ندع ما ادعيناه لبعضه، ولم نصف ما وصفناه إلا في كله، وإن كانت الدلالة في البعض أبين وأظهر، والآية أكشف وأبهر.
    وإذا تأملت على ما هديناك إليه، ووقفناك عليه، فانظر: هل ترى وقع هذا النور في قلبك، واشتماله على لبك ، وسريانه في حسك، ونفوذه في عروقك، وامتلاءك به إيقاناً، وإحاطة واهتداءك به إيماناً وبصيرة، أم هل تجد الرعب يأخذ منك مأخذه من وجه، والهزة تعمل في جوانبك من لون، والأريحية تستولي عليك من باب، وهل تجد الطرب يستفزك للطيف ما فطنت له، والسرور يحركك من عجيب ما وقفت عليه، وتجد في نفسك من المعرفة التي حدثت لك عزة، في أعطافك ارتياحاً وهزة، وترى لك في الفضل تقدماً وتبريزاً، وفي اليقين سبقاً وتحقيقاً، وترى مطارح الجهال تحت أقدام الغفلة، ومهاويهم في ظلال القلة والذلة، وأقدارهم بالعين التي يجب أن تلحظ بها مراتبهم، بحيث يجب أن ترتبها.
    لم يأمر الله بالتعوذ إلا لأمر عظيم
    هذا كله في تأمل الكلام ونظامه، وعجيب معانيه وأحكامه، فإن جئت إلى ما انبسط في العالم من بركته وأنواره، وتمكن في الآفاق من يمنه وأضوائه، وثبت في القلوب من إكباره واعظامه، وتقرر في النفوس من حتم أمره ونهيه، ومضى في الدماء من مفروض حكمه.. وإلى أنه جعل عماد الصلاة التي هي تلو الإيمان في التأكيد، وثانية التوحيد في الوجوب.. وفرض حفظه، ووكل الصغار والكبار بتلاوته، وأمر عند افتتاحه بما أمر به لتعظيمه، من قوله: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )، لم يؤمر بالتعوذ لافتتاح أمر كما أمر به لافتتاحه، فهل يدلك هذا على عظيم شأنه، وراجح ميزانه، وعالي مكانه، وجملة الأمر أن نقد الكلام شديد، وتمييزه صعب.
    العلماء بالشعر والأدب قلائل
    ومما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله العسكري: أخبرني أبو بكر بن دريد قال: سمعت أبا حاتم يقول: سمعت الأصمعي يقول: فرسان الشعراء أقل من فرسان الحرب.. وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء، يقول: العلماء بالشعر أعزّ من الكبريت الأحمر.
    العلماء يختلفون في الأحسن من الكلام
    وإذا كان الكلام المتعارف، المتداول بين الناس، يشق تمييزه، ويصعب نقده، يذهب عن محاسنه الكثير، وينظرون إلى كثير من قبيحه بعين الحسن، وكثير من حسنه بعين القبح، ثم يختلفون في الأحسن منه اختلافاً كثيراً، وتتباين آراؤهم في تفضيل ما تفضل منه، فكيف لا يتحيرون فيما لا يخيط به علمهم، ولا يتأتى في مقدورهم، ولا يمثل بخواطرهم.
    إن احتاروا في فصاحة القرآن فقد احتار من هو أفصح منهم
    وقد حير القوم الذين لم يكن أحد أفصح منهم، ولا أتم بلاغة، ولا أحسن براعة، حتى دهشوا حين ورد عليهم، وولهت عقولهم،ولم يكن عندهم فيه جواب، غير ضرب الأمثال، والتحرض عليه، والتوهم فيه، وتقسيمه أقساماً، وجعله عضين.
    أحسن الحديث كتاب الله
    وكيف لا يكون أحسن الكلام، وقد قال الله تعالى: ( اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِي. تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُم إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هَادٍ ).
    يكفي أن تعرف حسن القليل لتستدل على الكثير
    استغنم فهم هذه الآية وكفاك، استفد علم هذه الكلمات وقد أغناك، فليس يوقف على حسن الكلام بطوله، ولا تعرف براعته بكثرة فصوله، إن القليل يدل على الكثير، والقريب قد يهجم بك على البعيد.. ثم إنه سبحانه وتعالى لما علم من عظم شأن هذه المعرفة، وكبر محلها وذهابها على أقوام، ذكر في آخر هذه الآية ما ذكر، وبيّن ما بيّن، فقال: ( ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) فلا يعلم ما وصفنا لك إلا بهداية من العزيز الحميد.
    وقال: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لُهُ مِنْ هَادٍ ).
    وقال: ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ).
    وقد بسطنا لك القول رجاء افهامك.. وهذا المنهاج الذي رأيته إن سلكته يأخذ بيدك، ويدلك على رشدك، ويغنيك عن ذكر براعته آية آية لك.
    لم نقصد فما ذكرنا من آيات ذكر الأحسن
    واعلم أنا لم نقصد فيما سطرناه من الآيات، وسميناه من السور والدلالات، ذكر الأحسن والأكشف والأظهر؛ لأنا نعتقد في كل سورة ذكرناها أو أضربنا عن ذكرنا اعتقاداً واحداً، في الدلالة على الإعجاز، والكفاية في التمنع والبرهان، ولكن لم يكن بد من ذكر بعض، فذكرنا في بعض القرآن أظهر، وفي بعض أدق وأغمض، والكلام في هذا الفصل يجيء بعد هذا.. فاحفظ عنا في الجملة ما كررنا، والسير بعد ذلك في التفصيل إليك. وحصل ما أعطيناك من العلامة، ثم النظر عليك.
    الآيات تنقسم إلى قسمين
    قد اعتمدنا على أن الآيات تنقسم إلى قسمين:
    أحدهما: ما يتم بنفسه، أو بنفسه وفاصلته، فينير في الكلام، إنارة النجم في الظلام.
    والثاني: ما يشتمل على كلمتين أو كلمات، إذا تأملتها وجدت كل كلمة منها في نهاية البراعة، وغاية البلاغة، وإنما يبين ذلك بأن تتصور هذه الكلمة مضمنة بين أضعاف كلام كثير، أو خطاب طويل، فنراها ما بينها تدل على نفسها، وتعلو على ما قد قرن لعلو جنسها، فإذا ضمت إلى أخواتها، وجاءت في ذواتها، أرتك القلائد منظومة، كما كانت تريك عند تأمل الإفراد منها اليواقيت منثورة، والجواهر مبثوثة.
    كراهية تضمين القرآن في الشعر
    ولولا ما أكره من تضمين القرآن في الشعر، لأعطتك ألفاظاً وقعت مضمنة لتعلم كيف تلوح عليه، وكيف ترى بهجتها في أثنائه، وكيف تمتاز منه، حتى أنه لو تأمله من لم يقرأ القرآن، لتبين أنه أجنبي من الكلام الذي تضمنه، والباب الذي توسطه، وأنكر مكانه، واستكبر موضعه، ثم تناسبها في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإغراب، ثم انفرادها بذلك الأسلوب، وتخصصها بذلك الترتيب، ثم سائر ما قدمنا ذكره مما نكره إعادته.
    غير القرآن يتفاوت
    وأنت ترى غيره من الكلام يضطرب في مجاريه، ويختل تصرفه في معانيه، ويتفاوت التفاوت الكثير في طرقه، ويضيق به النطاق في مذاهبه، ويرتبك في أطرافه وجوانبه، ويسلمه للتكلف الوحشي كثرة تصرفة، ويحيله على التصنع موارد تنقله وتخلصه... ونظم القرآن في مؤتلفه ومختلفه، وفي فصله ووصله، وافتتاحه واختتامه، وفي كل نهج يسلكه، وطريق يأخذ فيه، وباب يتهجم عليه، ووجه يؤمه على ما وصفه الله تعالى به لا يتفاوت كما قال: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْر اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختِلاَفَاً كَثِيراً ) ولا يخرج عن تشابهه وتماثله، كما قال: ( قُرْآنَاً عَرَبِياً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ). وكما قال: ( كِتَاباً مُتَشَابِهاً )، ولا يخرج عن إبانته، كما قال: ( بِلسَانٍ عَرَبيًّ مُبِينٌ ).
    غير القرآن كثير التلون والتغير
    وغيره من الكلام كثير التلون، دائم التغير، يقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه قبيح مستهجن، ويطلع عليك بوجه الحسناء، ثم يعرض للهجر بخد القبيحة الشوهاء، ويأتيك باللفظة المستنكرة بين الكلمات التي هي كاللآلىْ الزهر وقد يأتيك باللفظة الحسنة بين الكلمات البهم، قد يقع إليك منه الكلام المثبج، والنظم المشوش، والحديث المشوه، وقد تجد منه ما لا يتناسب ولا يتشابه ولا يتآلف ولا يتماثل.
    الآيات الأحكاميات لها طبيعة خاصة
    والآيات الأحكاميات التي لابد فيها من أمر البلاغة يعتبر فيها من الألفاظ ما يعتبر في غيرها، وقد يمكن فيها، وكل موضوع أمكن ذلك فقد وجد في القرآن في بابه ما ليس عليه مزيد في البلاغة، وعجيب النظم.. ثم في جملة الآيات ما إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الإفراد، والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في بعض ذلك، ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات. وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه.
    وإذا عرف ما يجري إليه الكلام، وينهي إليه الخطاب، ويقف عليه الأسلوب، ويختص به القبيل، بأن عند أهل الصنعة تميز بابه، وانفراد سبيله، ولم يشك البليغ في انتمائه إلى الجهة التي ينتمي إليها، ولم يرتب الأديب البارع في انتسابه إلى ما عرف من نهجه. وهذا كما يعرف طريقه مترسل في رسالته، فهو لا يخفى عليه بناء قاعدته وأساسه، فكأنه يرى أنه يعد عليه مجاري حركاته وأنفاسه. وكذلك في الشعر واختلاف ضروبه، يعرف المتحقق به طبع كل أحد، وسبيل كل شاعر.
    كلام القرآن الشريف لا يقاس بغيره
    وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام، وما له من علو الشأن، لا يطلب مطلباً إلا انفتح، ولا يسلك قلباً إلا انشرح، ولا يذهب مذهباً إلا استنار وأضاء، ولا يضرب مضرباً إلا بلغ فيه السماء، لا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها إلا قصرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها إلا وقد أخللت.


    مُختصر: كتاب إعجاز القرآن
    تأليف : الباقلاني
    منتديات الرسالة الخاتمة . البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 17 ديسمبر 2018 - 9:59