من أسرار آل عمران والنساء

    شاطر

    فريق العمل
    Admin

    المساهمات : 1871
    تاريخ التسجيل : 22/12/2013

    من أسرار آل عمران والنساء

    مُساهمة من طرف فريق العمل في السبت 3 نوفمبر 2018 - 9:57


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة علوم القرآن
    أسرار ترتيب القرآن
    من أسرار آل عمران والنساء

    ● [ سورة آل عمران ] ●

    قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها قال الإمام: لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة، وكالملكة لها، افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك، وصرح في منطوق مطلعها بما طوى في مفهوم تلك وأقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات أحدها: مراعاة القاعدة التي قررتها، من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها، وذلك هنا في عدة مواضع منها: ما أشار إليه الإمام، فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه وقال في آل عمران: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بينَ يديه): وذاك بسط وإطناب، لنفي الريب عنه ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملاً، وقسمه هنا إلى آيات محكمات، ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ومنها: أنه قال في البقرة: (واللَهُ يؤتي ملكه من يشاء) وقال هنا: (قُل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) فزاد إطناباً وتفصيلاً ومنها: أنه حذر من الربا في البقرة، ولم يزد على لفظ الربا إيجازاً وزاد هنا قول (أضعافاً مضاعفة) وذلك بيان وبسط ومنها: أنه قال في البقرة: (وأَتموا الحج) وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالاً وفصله هنا بقوله: (وللهِ على الناس حج البيت) وزاد: بيان شرط الوجوب بقوله: ( ومَن كفرَ فإِن اللَهَ غنيٌ عَن العالمين) ومنها: أنه قال في البقرة في أهل الكتاب: (ثم توليتم إلا قليلاً منكم) فأجمل القليل وفصله هنا بقوله: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ومنها: أنه قال في البقرة: (قُل أَتحاجونا في الله وهوَ رَبَنا وربُكُم ولنا أَعمالنا ولكُم أَعمالكم ونحن له مخلصون) فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضاً لا تصريحاً وكذلك قوله: (وكذلِكَ جعلناكُم أُمةٌ وسطاً) في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام، وأتى في هذه بصريح البيان فقال: (كنتُم خيرَ أُمةٌ أُخرجَت للناس) فقوله: (كنتُم) أصرح في قدم ذلك من (جعلناكم) ثم وزاد وجه الخيرية بقوله: (تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ومنها: أنه قال في البقرة: (ولَا تأَكلوا أَموالكُم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) وبسط الوعيد هنا بقوله: (إنَّ الذينَ يَشترونَ بعهدِ الله وأَيمانهم ثمناً قَليلاً أُولئكَ لا خلاقَ لهُم في الآخرة)، وصدره بقوله: (وإِنَّ مِن أَهلِ الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إِليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) فهذه عدة مواضع وقعت في البقرة مجملة، وفي آل عمران تفصيلها الوجه الثاني: أن بين هذه السورة وسورة البقرة اتحاداً، وتلاحماً متأكداً، لما تقدم من أن البقرة بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر هنا ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب: من إنزال الكتاب، وتصديقه للكتب قبله، والهدى إلى الصراط المستقيم وتكررت هنا آية: (قولوا آمنا بالله وما أَنزل) بكمالها، ولذلك أيضاً ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك، أو لازم في تلك، أو لازم له فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وكذر هنا مبدأ خلق اولاده وألطف من ذلك: أنه افتتح البقرة بقصة آدم حيث خلقه من غير أب ولا أم، وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب، وهو عيسى عليه السلام، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم، لأنها أول السور، وآدم أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل، وهذه كالفرع والتتمة لها، فمختصة بالإعراب والبيان ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم، لتثبيت في أذهانهم، فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشبهها من جنسها ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم في قوله: (كمثل آدم) الآية، والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوماً، لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقدم ومن وجوه تلازم السورتين: أنه قال في البقرة في صفة النار: (أُعِدت للكافرينَ)، ولم يقل في الجنة: أعدت للمتقين، مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معاً، وقال ذلك في آخر آل عمران في قوله: (جنَةٌ عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) فكان السورتين بمنزلة سورة واحدة وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها وأمر آخر استقرأته، وهو: أنه إذا وردت سورتان بينهما تلازم واتحاد، فإن السورة الثانية تكون خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد وفي السورة المستقلة عما بعدها يكون آخر السورة نفسها مناسب لأولها وآخر آل عمران مناسب لأول البقرة، فإنها افتتحت بذكر المتقين، وأنهم المفلحون، وختمت آل عمران بقوله: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) وافتتحت القرة بقوله: (والذينَ يؤمنونَ بما أُنزلَ إِليكَ وما أُنزلَ من قبلك) وختمت آل عمران بقوله: (وإِنَ من أَهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم) فلله الحمد على ما ألهم وقد ورد أنه لما نزلت: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) قال اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل القرض عباده، فنزل قوله: (لقد سمِعَ الله قولَ الذينَ قالوا إِنَّ الله فقير ونحنُ أَغنياء) فذاك أيضاً من تلازم السورتين ووقع في البقرة حكاية عن إبراهيم: (ربنَّا واربعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك) ونزل في هذه: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أَنفُسَهُم يتلو عليهم) وذلك أَيضاً من تلازم السورتين.


    ● [ سورة النساء ] ●

    تقدمت وجوه مناسبتها وأقول: هذه السورة أيضاً شارحة لبقية مجملات سورة البقرة فمنها: أنه أجمل في البقرة قوله: ( اعبدوا ربَكُم الذي خلَقَكُم والذينَ مِن قبلِكُم لعلَكُم تتقون) وزاد هنا: (حلَقَكُم مِن نفسٍ واحدة وخلقَ مِنها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً) وانظر لما كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية جعلها في أول هذه السورة التالية لها مبدأ ومنها: أنه أجمل في سورة البقرة: (أَسكُن أَنتَ وزوجك الجنَّة) وبين هنا أن زوجته خلقت منه في قوله، (وخلقَ منها زوجها) ومنها: أنه أجمل في البقرة آية اليتامى، وآية الوصية، والميراث، والوارث، في قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) وفصل ذلك في هذه السورة أبلغ تفصيل وفصل هنا من الأنكحة ما أجمله هناك، فإنه قال في البقرة: (ولامه مؤمنةٌ خيرٌ من مشركة) فذكر نكاح الأمة إجمالاً، وفصل هنا شروطه ومنها: أنه ذكر الصداق في البقرة مجملاً بقوله: (ولا يحلُ لكُم أَن تأَخذوا مما آتيتموهن شيئاً) وشرحه هنا مفصلاً ومنها: أنه ذكر هناك الخلع، وذكر هنا أسبابه ودواعيه، من النشوز وما يترتب عليه، وبعث الحكمين ومنها: أنه فصل هنا من أحكام المجاهدين، وتفضيلهم درجات، والهجرة، ما وقع هناك مجملاً، أو مرموزاً وفيها من الاعتلاق بسورة الفاتحة: تفسير: (الذينَ أَنعمتَ عليهم) بقوله: (من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) وأما وجه اعتلاقها بآل عمران فمن وجوه: منها: أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت هذه السورة به وهذا من أكبر وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من البديع يسمى: تشابه الأطراف ومنها أن سورة آل عمران ذكر فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه السورة ذيلها، وهو قوله: (فما لكُم في المنافقين فئتين) فإنها نزلت لما اختلف الصحابة فيمن رجع من المنافقين من غزوة أحد، كما في الحديث ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التي بعد أحد بقوله: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أَصابهُم القرح) وأشير إليها هنا بقوله: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإِنَهُم يأَلمونَ كما تأَلمونَ) وبهذين الوجين عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها في مصحف ابن مسعود، لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران، ولاحقه وتابعه، فكانت بالتأخير أنسب ومنها: أنه ذكر في آل عمران قصة خلق عيسى بلا أب، وأقيمت له الحجة بآدم، وفي ذلك تبرئة لأمه، خلاقاً لما زعم اليهود، وتقرير لعبوديته، خلاقاً لما ادعته النصارى، وذكر في هذه السورة الرد على الفريقين معاً: فرد على اليهود بقوله: (وقولِهِم علىَ مريم بهتاناً عظيماً) وعلى النصارى بقوله: (لا تغلو في دينكُم ولا تقولوا على الله إِلا الحق إِنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته أَلقاها إِلى مريم ورح منه) إلى قوله: (لن يستنكف المسيح أَن يكون عبداً لله) ومنها: أنه لما ذكر في آل عمران: (إِني متوفيك ورافعك إِلى) رد هنا على من زعم قتله بقوله: (وقولِهم إِنَّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإِن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إِلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إِليه) ومنها: أنه لما قال في آل عمران في المتشابه: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) قال هنا: (لكن الراسخون في العلم والمؤمنون بما أُنزل إِليك) ومنها أنه لما قال في آل عمران: (زُينَ للناسِ حُبَّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا) فصل هذه الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية، ليعلم ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرم فلا يتعدى إليه، لميل النفس إليه فقد جاء في هذه السورة أحكام النساء، ومباحاتها، للإبتداء بها في الآية السابقة في آل عمران، ولم يحتج إلى تفصيل البنين، لأن تحريم البنين لازم، لا يترك منه شيء كما يترك من النساء، فليس فيهم مباح فيحتاج إلى بيانه، ومع ذلك أشير إليهم في قوله: (وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً) ثم فصل في سورة المائدة أحكام السراق، وقطاع الطريق، لتعلقهم بالذهب والفضة الواقعين في الآية بعد النساء والبنين ووقع في سورة النساء إشارة إلى ذلك في قسمة المواريث ثم فصل في سورة الأنعام أمر الحيوان والحرث، وهو بقية المذكور في آية آل عمران فانظر إلى هذه اللطيفة التي من الله بإلهامها! تم ظهر لي أن سورة النساء فصل فيها ذكر البنين أيضاً، لأنه لما أخبر بحب الناس لهم، وكان من ذلك إيثارهم على البنات في الميراث، وتخصيصهم به دونهن، تولى قسمة المواريث بنفسه، فقال: (يوصيكم اللَهُ في أَولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) وقال: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب) فرد على ما كانوا يصنعون من تخصيص البنين بالميراث، لحبهم لهم، فكان ذلك تفصيلاً لما يحل ويحرم من إيثار البنين، اللازم عن الحب، وفي ضمن ذلك تفصيل لما يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة، وما يحرم ومن الوجوه المناسبة لتقدم آل عمران على النساء: اشتراكها مع البقرة في الافتتاح بإنزال الكتاب، وفي الافتتاح ب (الم) وسائر السور المفتتحة بالحروف المقطعة كلها مقترنة، كيونس وتواليها، ومريم وطه، والطواسين، و (الم) العنكبوت وتواليها، والحواميم، وفي ذلك أول دليل على اعتبار المناسبة في الترتيب بأوائل السور ولم يفرق بين السورتين من ذلك بما ليس مبدوءاً به سوى بين الأعراف ويونس اجتهاداً لا توقيفاً، والفصل بالزمر بين (حم) غافر و (ص) وسيأتي ومن الوجوه في ذلك أيضاً: اشتراكهما في التسمية بالزهراوين في حديث: (اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران) فكان افتتاح القرآن بهما نظير اختتامه بسورتي الفلق والناس، المشتركتين في التسمية بالمعوذتين.


    أسرار ترتيب القرآن
    تأليف : السيوطي
    منتديات الرسالة الخاتمة ـ البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 17 نوفمبر 2018 - 16:22