بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ مكة المكرمة
المياه ومجاريها بمكة المشرفة وحرمها

ذكر السقايات بمكة المشرفة وحرمها
بمكة المشرفة عدة سقايات ويقال لها السبل منها سبيل عطية بن ظهيرة وسبيل قاسم الزانكي عند مسجد الراية، وسبيل أم الحسين بنت القاضي شهاب الدين أحمد بالمسعى وسبيل ابن بفلحة عند عين بازان بالمسعى، وسبيل السيد حسن بن عجلان برباطه، ومنها: خارج مكة من أعلاها سبيل أم سليمان المتصوفة، وسبيل عطية المطيبين في طرف المقبرة من أعلاها وسبيل القائد سعد الدين جبروه في بستانه وسبيل إمامه السيد حسن بن عجلان وسبيل الست بطريق منى ويقال له: سبيل ابن مزنة باسم رجل كان فيه، والست المنسوب إليها هذا السبيل هي أخت الملك الناصر حسن صاحب مصر، وتاريخ عمارته لها سنة إحدى وستين وسبعمائة، وبمنى عدة سبل وفيما بين منى وعرفة عدة سبل أيضاً إلا أنها منخربة جداً وبأسفل مكة مما يلي التنعيم عدة سقايات منها سبيل الزنجبيلي ويقال له: سبيل أبي رائد لتجديده له وسبيل المكين لتجديده له أيضاً ومنها سبيل السيدة زينب بنت القاضي أحمد الطبري وهو الآن منخرب معطل لخرابه ووجد في حجر مكتوب ملقى فيه أن المقتدي العباسي ووالدته أمرا بعمارة هذه السقاية والآبار التي وراءها وتصدقا بها في سنة اثنين وثلاثمائة وسبيل دون هذا السبيل إلى مكة عمره الشهاب المكين في سنة ثمان وثمانمائة وإلى جانب ذلك حوض للبهائم وكان بمكة سقايات أكثر مما ذكرنا قال الفاكهي لما ذكر السقايات: وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منى ونواحيها ومسجد التنعيم نحو من مائة سقاية انتهى.
ذكر البرك بمكة وحرمها
فيها عدة برك: منها بركتان عند باب المعلى متلاصقان على يسار الخارج من مكة إلى المعلى جددتا في دولة الملك الناصر حسن صاحب مصر سنة تسع وأربعين وسبعمائة ومنها بركتان متلاصقتان على يمين الخارج إلى المعلى إحداهما بلصق سور باب المعلى ببستان الصارم، وكانتا معطلتين فعمرت إحداهما في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وملئت من عين بازان، ومنها بركتان عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسوق الليل ببستان المسلماني على ما ذكر، ومنها بأسفل مكة بركة يقال لها: بركة الماجن وبحرم مكة مما يلي منى وعرفة عدة برك منها البركة المعروفة ببركة السلم ولم يعرف من أنشأها وجددها الأمير المعروف بالمك نائب السلطنة بمصر وعمر العين التي تصل إليها الماء من منى وذلك في سنة خمس وأربعين وسبعمائة وبطرف منى مما يلي المزدلفة وفي طريق عرفة عدة برك أخر معطلة أيضاً لخرابها وبعرفة عدة برك وغالبها الآن ممتلئ بالتراب حتى صار ذلك مساوياً للأرض وبعضها من عمارة العجوز والدة المقتدي وذلك خمس برك وتاريخ عمارتها سنة خمس عشرة وثلاثمائة وبعضها عمره المظفر صاحب إربل في سنة أربع وتسعين وخمسمائة وفيما بعدها وبعضها عمره أقبال الرابي المستنصري العباسي في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة واسم أقبال باق في بعض البرك التي حول جبل الرحمة وعمر بعضها الملك نائب السلطنة بمصر في دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر.
ذكر الآبار بمكة وحرمها
ذكر الأزرقي رحمه الله شيئاً من خبر الآبار الجاهلية والإسلامية بمكة وحرمها بعرفة، وليس يعرف الآن مما ذكره إلا النادر، وجملة ما احتوى عليه سور مكة من الآبار ثمانية وخمسون بئراً، وكلها مسيلة إلا البئر التي في بيت المطيبين بأعلى مكة والبئر التي في بيت القائد زين الدين شكر مولى الشريف حسن بن عجلان والبئر التي في بيت أحمد بن عبد الله الدوري الفراش بالحرم الشريف المكي والبئر التي في البيت المعروف ببيت السقي بقرب بيت الدوري ولم يذكر في ذلك الآبار التي لا ماء فيها.
ومن الآبار المعروفة بمكة مما ذكره الأزرقي البئر التي برباط السدرة وتعرف بسجلة حفرها هاشم بن عبد مناف وقيل: قصي قال الأزرقي: وهي البئر التي يقال لها: بئر جبير بن مطعم دخلت في دار أمير المؤمنين بين الصفا والمروة في أصل المسجد الحرام التي يقال لها: دار القوارير أدخلها حماد البربري حين بنى الدار لأمير المؤمنين هارون الرشيد وكانت البئر شارعة في المسعى يقال: إن جبيراً ابتاعها من ولد هاشم وقال بعض المكيين: وهبها له أسد حين ظهرت زمزم ويقال: وهبها عبد المطلب حين حفر زمزم واستغنى عنها لمطعم بن عدي وأذن له أن يضع حوضاً من أدم عند زمزم يستقي فيه منها ويسقي الحاج قال الأزرقي: وهو اثبت الأقاويل عندنا انتهى كلامه.
وأما الآبار التي بين باب المعلا ومنى فستة عشر بئراً فيها الماء: منها البئر المعروفة ببئر ميمون بن الحضرمي أخ العلاء بن الحضرمي وهي البئر التي في السبيل المعروف بسبيل الست على ما ذكره عبد الرحمن بن أبي حرمي في حجر مكتوب بخطه في هذا البئر يتضمن أن المظفر صاحب أربل عمرها سنة أربع وستمائة.
وقال الأزرقي: وكانت آخر بئر حفرت في الجاهلية قال: وعن مجاهد وعطاء وغيرهما من أهل العلم في قوله تعالى: (فمن يأتيكم بماء معين). قالوا: زمزم وبئر ميمون ابن الحضرمي. وذكر بعض الناس أن بئر ميمون بطريق وادي مر الظهران قيل: وفيه نظر ومنها البئر المعروفة بصلاصل قال الأزرقي: وهي البئر التي بفم شعب البيعة عند عقبة منى والناس يسمون البئر التي بفم هذا الشعب ببركة مهير ويسمون بصلاصل بئراً في الجانب الذي يكون على عين الذاهب إلى منى وهي بئر مشهورة عند الناس بقرب هذه البئر،
وذكر الأزرقي أنها من الآبار الإسلامية وسميت صلاصل بصلصل بن أوس بن محاسن بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم قاله الفاكهي.
وأما الآبار التي بمزدلفة فهي ثلاثة وأما الآبار التي بعرفة فهي آبار كثيرة والتي فيها الماء الآن ثلاثة آبار وبعض الآبار التي لا ماء فيها من عمارة المظفر صاحب إربل وبين عرفة ومزدلفة بئر يقال لها: السقيا على يسار الذهاب إلى عرفة.
وأما الآبار التي بظاهر مكة من أعلاها فيما بين بئر ميمون بن الحضرمي والأعلام التي هي حد الحرم في طريق وادي نخلة فهي خمسة عشر بئراً منها أربعة آبار تعرف بآبار العسيلة وفي رأس طي بعضها ما يقتضي أن المقتدي العباسي أمر بحفر بئرين منها وفي طي بعضها ما يقتضي أن العجوز والدة المقتدي عمرتها مع سقايات هناك والبئر الرابعة من آبار العسيلة جددها بعدد ثورها بعض الأمراء المصريين في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة وبقية الآبار لا ماء فيها إلا بئر لأبي بكر الحصار وهي تلي آبار العسيلة وأما الآبار التي بأسفل مكة في جهة التنعيم فهي ثلاثة وعشرون بئراً بجادة الطريق منها بئر الملك المنصور صاحب اليمن عند سبيله تعرف بالزاكية ومنها الآبار المعروفة بآبار الزاهر الكبير وبعض هذه الآبار من عمارة المقتدي العباسي، وبقرب الشبيكة آبار أخر يقال لها: آبار الزاهر الصغير وهي ثلاثة آبار منها واحدة لا ماء فيها ولها قرنان في أحدهما حجر مكتوب فيه تاريخ عمارتها وتعرف هذه الآبار ببطن ذي طوى على ما ذكره الأزرقي في تعريف ذي طوى وبأسفل مكة أيضاً بئر يقال لها: الطنبداوية وبأسفل مكة مما يلي باب الماجن عدة آبار منها بئر بقربه من خارجه وبئر بالشعب الذي يقال له: خم بخاء معجمة مضمومة وهو غير خم الذي يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عندي غديره " من كنت مولاه فعليّ مولاه ". لأن خماً هذا عند الجحفة وذكرها الأزرقي في الآبار التي بمكة قبل زمزم قال: وحفرها كلاب بن مرة. قال السهيلي: وهي من خممت البيت إذا كنسته ويقال: فلان مخموم القلب أي نقيه فكأنها سميت بذلك لنقائها قال: وأما غدير خم الذي عند الجحفة فسمي به لغيضة عنده يقال لها: خم فيما ذكروا انتهى.
ذكر عيون مكة
قال الأزرقي: كان معاوية قد أجرى في الحرم عيوناً واتخذ لها أخيافاً، فكانت حوائط وفيها النخل والزرع ثم سردها الأزرقي وذكر أنها عشر عيون ثم قال: وكان عيون معاوية قد انقطعت وذهبت فأمر أمير المؤمنين الرشيد بعيون منها فعملت وأحييت وصرفت في عين واحدة ثم انقطعت هذه العيون فكان الناس بعد انقطاعها في شدة من الماء وكان أهل مكة والحاج يلقون من ذلك المشقة حتى أن الراوية لتبلغ في الموسم عشرة دراهم وأكثر وأقل فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المنصور فأمر في سنة أربع وتسعين ومائة بعمل بركتها التي بمكة فأجرت لها عيناً من الحرم فجرت بماء قليل فلم يكن فيه ري لأهل مكة وقد غرمت في ذلك غرماً عظيماً فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيوناً من الحل وكان الناس يقولون: إن ماء الحل لا يدخل الحرم لأنه يمر على عقاب وجبال فأرسلت بأموال عظام ثم أمرت من يزن عينها الأولى فوجد فيها فساداً فأنشأت عيناً أخرى إلى جنبها وأبطلت تلك العيون فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون العمل وعظمت في ذلك رغبتها وحسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية جبل فإذا الماء لا يظهر في ذلك الجبل فأمرت بالجبل فضرب فيه وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس أحد حتى أجراها الله تعالى لها وأجرت فيها عيوناً من الحل منها عين المشاش واتخذت لها بركاً تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها ثم أجرت لها عيوناً من حنين فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها وطابت نفسها بأن أنفقت فيها ما لم تكن تطيب به نفس أحد، فأهل مكة والحاج إنما يعيشون بها بقدرة الله تعالى ثم أمر أمير المؤمنين المأمون صالح بن العباس في سنة عشر ومائتين أن يتخذ له برك خمس في السوق لئلا يتعنى أهل أسفل مكة والثنية وأجيادين إلى بركة أم جعفر وأجرى عيناً من بركة أم جعفر من فضل ماءها في عين تسكب في بركة البطحاء ثم تمضي إلى بركة عند الصفا ثم تمضي إلى بركة عند الحناطين ثم تمضي إلى بركة بفوهة سكة الثنية دون دار أويس ثم تمضي إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة ثم تمضي في سرب ذلك إلى " ماجن " أبي صلابة، ثم إلى الماجنين اللذين في حائط ابن طارق وبأسفل مكة وكان صالح بن العباس لما فرغ منها ركب بوجوه الناس إليها فوقف عليها حين جرى فيها الماء ونحر عند كل بركة جزوراً وقسم لحمها على الناس انتهى كلام الأزرقي.
وذكر المسعودي في تاريخه مقدار ما صرفت زبيدة وهي أم جعفر بنت أبي الفضل المذكورة في عمارة هذه العين، وذكر فيما ذكر وأحصى ألف ألف وسبعمائة ألف دينار نقل ذلك المسعودي عن محمد بن علي المصري الخراساني الأخباري والظاهر أن هذه هي عين مكة المعروفة اليون بعين بازان بباء موحدة وألفين بينهما زاي لأنها في هذه الجهة التي ذكرها الأزرقي. والله أعلم.
وقد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء والملوك، منهم المستنصر العباسي في سنة خمس وعشرين وستمائة وفي سنة أربع وثلاثين وستمائة ومنهم الأمير جوبان نائب السلطنة بالعراقين عن السلطان أبي سعيد بن خربيدا ملك التتر وذلك في سنة ست وعشرين وسبعمائة ووصلت إلى مكة في العشر الأخير من جمادى الأولى من هذه السنة وعم نفعها وعظم، وكان جريانها هذا رحمة من الله تعالى لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا في جهد عظيم بسبب قلة الماء بمكة وعمرت مرات كثيرة في عصرنا وفيما قبله وممن أحسن أمرها في عصرنا وقام بعمارتها وصرف عليها الأموال الجزيلة الشهاب بركوت المكين لأنه الذي يقوم بأمرها من سنة ثلاث عشرة إلى تاريخه وهو سبع عشرة، ومن العيون التي أجريت بمكة عين أجراها الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة في مجرى عين بازان وتعرف هذه العين بعين جبل ثقبة وجملة المصروف عليها خمسة آلاف درهم وذلك على يد ابن هلال الدولة مشيد العمارة ومنها عين أجراها الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر في سنة خمس وأربعين وسبعمائة من منى إلى بركة السلم بطريق منى.
ذكر المطاهر التي تمكن بمكة المشرفة مطاهر
منها: مطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر عند باب بني شيبة، وتاريخ عمارتها سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وفيها وقفت،
ومنها مطعرة الأمير المعروف بالملك نائب السلطنة بمصر عند باب الحزورة ولعل عمارته لها كانت في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وهي الآن معطلة،
ومنها مطهرة الأمير ضرغمش الناصري أحد كبار الأمراء في دولة الملك الناصر حسن صاحب مصر وهي فيما بين البيمارستان المستنصري ورباط أم الخليفة وتاريخ عمارته لها سنة تسع وخمسين ثم عمرت بعد ذلك غير مرة،
ومنها مطهرة الملك الشرف شعبان صاحب مصر بالمسعى قبالة باب على أحد أبواب المسجد الحرام وكانت عمارتها في سنة ست وسبعين وسبعمائة والمتولي لأمر عمارتها الأمير أبو بكر بن سنقر الجبالي وللإشراف عليها وقف بمكة ريع فوقها ودكاكين ووقف بضواحي القاهرة، وتخربت ثم عمرها في سنة سبع عشرة وثمانمائة،
ومنها مطهرة خلفها عمرتها أم سليمان المتصوفة صاحبة الزاوية بسوق الليل وفرغ من عمارتها في سنة ست وتسعين وسبعمائة،
ومنها مطهرة الأمير زين الدين بركة العثماني رأس نوبة النوب بالقاهرة وأحد مديري المملكة بها وهي المطهرة التي بسوق العطارين بقرب باب بني شيبة على يسار الخارج من الباب وبابها مقابل باب المطهرة الناصرية المذكورة،
ومنها مطهرة تنسب للأمير طنبغا الطويل أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية عمرت في أوائل عشر السبعين وسبعمائة وهي بأسفل مكة عند باب العمرة الآن، والآن هي معطلة،
ومنها مطهرة عند باب الحزورة يقال لها: نطهرة الواسطي، ولم يعرف المنسوبة إليه ولا متى وقفت، والله تعالى أعلم.
الخاتمة
تم الكتاب بعون الملك الوهاب على يد العبد الفقير عليها: عاشور بن عبد الكريم بن محمد بن رجب بن محمد، البرلسي أصلاً، الإدكاوي مولداً، الحسيني الشافعي، أصلح الله شأنه وصانه عما شانه، وذلك في يوم الأحد المبارك سابع عشر في رجب الفرد الحرام سنة ثلاثة ومائة وألف.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحيه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.


تم تاريخ مكة المكرمة
نقلآ عن منتديات الرسالة الخاتمة

والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله