بّسم الله الرّحمن الرّحيم
تاريخ مكة المكرمة
كسوة الكعبة فى الجاهلية والإسلام ومالها

ذكر الجب الذي كان في الكعبة ومالها الذي كان فيه
عن مجاهد قال: كان في الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حين رفعا القواعد، وكان فيه ما يهدى للكعبة ليس لها سقف، فسرق منها مال على عهد جرهم مرة بعد مرة، وكان جرهم ترتضي لذلك رجلاً يكون عليه يحرسه، فبينا رجل ممن ارتضوه عندها إذ سولت له نفسه فنظر حتى إذا انتصف النهار وقامت المجالس وتقلصت الظلال وانقطعت الطرق ومكة إذ ذاك شديدة الحر بسط رداءه ثم نزل في البئر فأخرج ما فيها فجعله في ثوبه، فأرسل الله عز وجل عليه حجراً من البئر فأخرج ما فيها فجعله في ثوبه، فأرسل الله عز وجل عليه حجراً من البئر فحبسه، حتى راح الناس فوجدوه فأخرجوه وأعادوا ما وجدوا في ثوبه من البئر فسميت بذلك البئر الأخسف، فلما أن خسف بالجرهمي وحبسه الله، بعث الله عند ذلك ثعباناً فأسكنه في ذلك الجب في بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة، يحرس ما فيه فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه وفتح فاه، فلا يراه أحد إلا ذعر منه، وكان ربما يشرف على جدار الكعبة فأقام كذلك في زمن جرهم وزمن خزاعة وصدراً من عصر قريش حتى اجتمعت قريش في الجاهلية على هدم البيت وعمارته فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصغير.
وعن شقيق عن شيبة يعني ابن عثمان قال: قعد عمر بن الخطاب في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة. قلت: ما أنت بفاعل، قال: بلى لأفعلن. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم، قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مكانه هو وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال فلم يحركاه فقام فخرج. رواه أبو داود والطيالسي بهذا اللفظ، والبخاري والنسائي بنحوه، وفي رواية للبخاري عن أبي وائل قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته. قلت إن صاحبيك لم يفعلا. قال: هما المرءان أقتدي بهما.
قال المحب الطبري: لما أخبر شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر لم يتعرضا للمال، رأى عمر أن ذلك الصواب وكأنه رأى حينئذ أن ما جعل في الكعبة يجري مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره، أو رأى ذلك تورعاً حين أخبر أنه تركه صاحباه مع رؤيته جواز إنفاقه في سبيل الله؛ لأن صاحبيه إنما تركاه للعذر الذي تضمنه حديث عائشة. انتهى.
قال الأزرقي: وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في الجبّ الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان يهدى للكعبة للبيت . وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه، ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه. وعن محمد بن يحيى قال: حدثني بعض الحجبة في سنة ثمان وثمانين ومائة أن ذلك المال بعينه في خزانة الكعبة ثم لا أدري ما حاله بعد.
قال الأزرقي: وحدثني جدي وغيره من مشايخ أهل مكة وبعض الحجبة أن الحسين بن علي العلوي عمد إلى خزانة الكعبة في سنة مائتين في الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة، فأخذ مما فيها مالاً عظيماً ونقله إليه وقال: ما تصنع بهذا المال، موضوعاً لا ينتفع به، نحن أحق به، نستعين على حربنا.
ويروى أن مال الكعبة كان يدعى الأبرق ولم يخالط مالاً قط إلا محقه، ولم يرزأ أحد منه إلا بان النقص في ماله وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت. حتى أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة فاشتد عليه الموت جداً فمكث أياماً ينزع نزعاً شديداً حتى رأوا منه ما غمهم وأحزنهم من شدة كربه، فقال أبوه: يا بني لعلك أصبت من هذا الأبرق شيئاً يعني: مال الكعبة قال: نعم يا أبت أربعمائة دينار. فقال أبوه: اللهم إن هذه الأربعمائة دين عليّ في أنفس مالي الكعبة أؤديها إليها ثم انحرف إلى أصحابنا فقال: اشهدوا أن للكعبة عليّ أربعمائة دينار. فسرى عن الغلام ثم لم يلبث الفتى أن مات.

ذكر من كسا الكعبة في الجاهلية
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: نهى عن سب أسعد الحميري وهو تبع وهو أول من كسا الكعبة كسوة كاملة كساه العصب، وجعل له باباً يغلق بضبة ولم يكن يغلق قبل ذلك. ويروى أن تبعاً أرى في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع، ثم أرى أن يكسوها فكساها الوصائل وهي ثياب حبرة من عصب اليمن وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغنا أن تبعاً أول من كسا الكعبة الوصائل.
ويروى أن تبعاً لما كسا البيت المسوح والأنطاع انتفض البيت فزال ذلك عنه، وفعل ذلك حين كساه الخصف، فلما كساه الملاء والوصائل قبلها، ثم كساها الناس بعد تبع في الجاهلية.
وقال ابن جريج: وقد زعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة إسماعيل عليه السلام، وكانت الكعبة في الجاهلية تكسى كسى شيئاً من وصائل وأنطاع وكرار وخز ونمارق عراقية، وإذا بلى منها شيء أخلف مكانه ثوب آخر، ولا ينزع مما عليها شيء من ذلك.

ذكر من كساها في الإسلام وطيبها وخدمها
كساها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب اليمنية ثم أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم القباطي، ومعاوية وابن الزبير ومن بعدهم.
وعن ابن جريج قال: كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج حتى كانت بنو هاشم فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج؛ لأن يرى الناس ذلك عليها بهاءً وجمالاً فإذا كان يوم عاشوراء علقوا الإزار. ويروى أن عثمان أول من ظاهر بها كسوتين القباطي والبرود، وكان عمر يكسوها من بيت المال.
ويروى أن معاوية بن أبي سفيان كان يكسوها كسوتين: كسوة عمر رضي الله عنه القباطي، وكسوة ديباج، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء وتكسى القباطي في آخر شهر رمضان. وكان ابن عمر يجلل بدنه القباطي والأنماط والحلل ثم يبعث بها إلى الكعبة يكسوها إياها. أخرجه مالك. والقباطي بفتح القاف : جمع قبطية بضم القاف: وهو ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر كأنه منسوب إلى القبط، والضم فيه من تغيير النسب، والضم خاص بالثياب، وأما في الناس فقبطي بكسر القاف لا غير. والأنماط ضرب من البسط واحدها نمط.
وعن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك فلما كساها الأمراء كان إذا نحر كساها المساكين.
واختلفوا في أول من كساها الديباج، فقيل: عبد الله بن الزبير. وقيل: يزيد بن معاوية. وقيل: عبد الملك بن مروان. وكان الناس قبل ذلك يهدون البدن عليها الحبرات ثن يبعثون بالحبرات إلى البيت كسوة. ويروى أن أول عربية كست الكعبة الحرير والديباج نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب وهي بتاء منقوطة باثنتين من فوق، وبعضهم يصحفها بثاء مثلثة قاله السهيلي.
وكان المأمون يكسوها ثلاث مرات فيكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان. ويروى أنه ابتدأ الكسوة بالأبيض سنة ست عشرة ومائتين حين سأل عن أحسن ما يكون في الكعبة فقيل له: الديباج الأبيض.
قال الأزرقي: وأول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير، وأول من دعا على الكعبة عبد الله بن شيبة ويلقب الأعجم دعا لهشام بن عبد الملك وكان خليفة. انتهى.
وذكر الواقدي عن أشياخه: أن عبد الملك بن مروان لما ولي كان يبعث إليها كل سنة بالطيب والمجمرة، وكان عبد الله بن الزبير يجمر الكعبة الشريفة في كل يوم برطل من الطيب ويوم الجمعة برطلين. وأجرى لها معاوية الطيب لكل صلاة، فكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوق في الموسم وفي رجب، وأخدمها عبيداً بعث بهم والمجمرة، وكان عبد الله بن الزبير يجمر الكعبة الشريفة في كل يوم برطل من الطيب ويوم الجمعة برطلين. وأجرى لها معاوية الطيب لكل صلاة، فكان يبعث بالطيب والمجمر والخلوق في الموسم وفي رجب، وأخدمها عبيداً بعث بهم إليها فكانوا يخدمونها، ثم اتبعت ذلك الولاة بعد.
وعن ابن جريج قال: كان معاوية أول من طيب الكعبة بالخلوق والمجمر، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت المال. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كسوة الكعبة على الأمراء. وعنها قالت: لطيب الكعبة أحب إليّ من أن أهدي لها ذهباً وفضة. وعنها قالت: طيبوا الكعبة البيت فإن ذلك من تطهيره. أخرجهن الأزرقي.
وكسوة الكعبة الآن سوداء من حرير، وبطانتها من كتان أبيض، وهي أربعة وأربعون شقة كل شقة بطول الكعبة سبعة وعشرون ذراعاً: منها عشر شقاق ما بين الركنين اليمانيين، واثني عشر شقة ما بين الركن اليماني والغربي، وعشر ما بين الغربي والشامي وهو جانب الحطيم، واثني عشر شقة ما بين الركن الشامي إلى الركن الأسود وهو جانب وجه الكعبة بعد، والكسوة الآن طراز مدور بالكعبة بين الطراز إلى الأرض قريب من عشرين ذراعاً، وعرض الطراز ذراعان إلا شيئاً يسيراً، مكتوب في الطراز على جانب وجه الكعبة بعد البسملة: (إن أول بيت وضع للناس إلى قوله غني عن العالمين) صدق الله العظيم. وبين الركنين اليمانيين مكتوب بعد البسملة: (جعل الله الكعبة البيت الحرام) إلى قوله (بكل شيء عليم). صدق الله العظيم. وبين الركن اليماني والغربي مكتوب بعد البسملة: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) إلى قوله (التواب الرحيم). صدق الله العظيم. وبين الركن الغربي والشامي مكتوب بعد البسملة: كما أمر بعمل هذه الكسوة الشريفة الفقير إلى الله تعالى السلطان فلان اسم ملك مصر.

ما جاء في تجريد الكعبة
عن أبي نجيح قال: كان عمر بن الخطاب ينزع ثياب الكعبة في كل سنة فيقسمها على الحاج. ويروى أن أول من جرد الكعبة وكشفها شيبة بن عثمان. ويروى أنه دخل على عائشة فقال: يا أم المؤمنين تجتمع على الكعبة الثياب فتكثر، فيعمد إلى بيار فيحفرها ويعمقها فتدفن فيها ثياب الكعبة؛ لكيلا يلبسها الحائض والجنب. قالت عائشة رضي الله عنها: ما أصبت وبئس ما صنعت لا تعد لذلك، فإن ثياب الكعبة إذا نزعت عنها لا يضرها من لبسها من حائض أو جنب ولكن بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل. رواهن الأزرقي.
وحج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين ومائة فرفع إليه أنه قد اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى أنها قد أثقلتها، ويخاف على جدرانها من ثقل الكسوة فجردها حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئاً ثم ضمخها من خارجها وداخلها بالغالية من أسفلها إلى أعلاها من جوانبها كلها، وصعد على ظهر الكعبة بقوارير الغالية فجعل يفرغها على جدران الكعبة من خارج من جوانبها كلها، وعبيد الكعبة قد خرطوا في البيكار الذي يخاط عليها ثياب الكعبة، ثم افرغ عليها ثلاث كسى من قباطي وخز وديباج، والمهدي قاعد على ظهر المسجد مما يلي دار الندوة.

ما جاء في أسماء الكعبة وأن لا يبنى بيت يشرف عليها
إنما سميت الكعبة كعبة لوجهين:
الأول : لأنها مربعة، وأكثر بيوت العرب مدورة، وعند أهل اللغة كل بيت مدور مربع فهو مكعب، وكعبة بفتح الكاف، وكان في خثعم بيت يسمونه كعبة اليمانية. قال سعيد بن سالم: قال ابن جريج: وكان ابن الزبير بنى الكعبة على ما بناها إبراهيم عليه السلام قال: وهي كعبة على خلقة الكعب؛ فلذلك سميت الكعبة.
قال الأزرقي : وكان الناس يبنون بيوتهم مدورة تعظيماً للكعبة، وأول من بنى بيتاً مربعاً حميد بن زهير، فقالت قريش : ربع حميد بن زهير بيتاً إما حياة وإما موتاً.
الثاني : لعلوها ونتوها ونشورها على الأرض، فكل ناتئ بارز كعب، مستديراً كان أو غير مستدير، ومنه كعب ثدي الجارية وكعب القدم وكعب القناة.
ومن أسمائها البيت وهو اسم علم على الكعبة زادها الله تشريفاً وتكريماً سميت بذلك لأنها ذات سقف وجدار وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن، ويسمى البيت الحرام لتحريم الله إياها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ". أو لأن حرمتها انتشرت فأريد بالتحريم سائر الحرم، كما قال عز وجل: (هدياً بالغ الكعبة) . وأراد الحرم. ويسمى البيت العتيق وتقدم في باب الفضائل سبب تسميتها بذلك. قال الأزرقي: وكان يدعى البيت قادسياً، ويدعى بادراً، ويدعى القرية القديمة. انتهى. ويسمى بكة على قول، وأما مكة فهي القرية. وذكر صاحب المشارق: من أسمائها البنية وبنية إبراهيم، وبنية أبي طالب. وعن شيبة بن عثمان: أنه كان يشرف فلا يرى بيتاً مشرفاً على الكعبة إلا أمر بهدمه. وعن يوسف بن ماهك قال: كنت جالساً مع عبد الله بن عمرو بن العاص في ناحية المسجد الحرام إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس فقال: أبيت ذلك ، قلت: نعم. قال: إذا رأيت بيوتها يعني بذلك مكة قد علت أخشبها، وفجرت بطونها أنهاراً فقد أزف الأمر.
قال الأزرقي: وحدثني جدي قال: لما أن بنى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام، أمر قوامه أن لا يرفعوها فيشرفوا بها على الكعبة، وأن يجعلوا أعلاها دون الكعبة فتكون دونها؛ إعظاماً للكعبة أن تشرف عليها، فلم تبق بمكة دار لسلطان ولا غيره حول المسجد تشرف على الكعبة إلا هدمت وخربت إلا هذه الدار فإنها على حالها إلى اليوم.

مختصر: تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام لابن الضياء